محلية
النساء المعيلات في اليمن... سلطة جديدة تولد من الهشاشة
أعادت سنوات الحرب الطويلة في اليمن، وما رافقها من موت وإصابات وإعاقات وانهيار اقتصادي تشكيل الأدوار داخل الأسر، ودفعت آلاف النساء إلى الواجهة، ليس بوصفهن شريكات في إعالة الأسرة فقط، بل باعتبارهن المُعيل نفسه، وربما الوحيدات اللواتي يلعبن هذا الدور في الأسرة، وبالتالي صاحبات القرار ومن يحملن العبء الثقيل في مجتمعات لا تزال تتردد في الاعتراف الكامل بهذا التحوّل. في واقع اليمن اليوم، تولد سلطة جديدة من رحم الهشاشة، لا تستند إلى القوة أو النفوذ، بل إلى الضرورة والعمل اليومي المضني والمقاومة الصامتة لنظرة مجتمع متردد بين القبول والإنكار يرافق صعود ظاهرة النساء المعيلات للأسر.
في أحد أحياء مدينة تعز تجلس سعيدة عبدالمجيد (42 عاماً) خلف ماكينة خياطة قديمة، تحرّك دواستها بقدم اعتادت التعب، بينما تتنقل يداها بين الأقمشة بخفة اكتسبتها خلال سنوات قليلة فقط من تعلمها مهنة الخياطة. قبل سبعة أعوام لم تتخيّل سعيدة أنها ستصبح يوماً المُعيل الوحيد لخمسة أطفال، ثم توفي زوجها بذبحة قلبية وتركها تواجه حياة لا ترحم.
وتقول لـ"العربي الجديد": "حين مات زوجي أحسست بأن الدنيا أغلقت في وجهي. كنت وحيدة مع خمسة أولاد، ولا دخل لي، ولم أرث أي مال من زوجي المرحوم، ونحن في زمن لا يسأل فيه أحد عن الآخر، فقررت أن أسعى كي أجعل أطفالي يعيشون، وكان أول قرار اتخذته بيع ذهبي لشراء ماكينة خياطة، حينها لم يكفِ المال فاشتريت ماكينة مستعملة، وتعلمت المهنة من جاراتي".
تضيف: "قلت إن الذهب يذهب في حين يجب أن يعيش أولادي، وتعلمت الخياطة. في البداية كان الناس يقولون امرأة تشتغل، لكنهم شاهدوا مع الوقت أن شغلي نظيف وسعري معقول فصمتوا". واليوم تعيل سعيدة أسرتها بالكامل من المردود المالي الذي تجنيه من الخياطة داخل البيت. تغيّر موقعها فهي لم تعد الأم فقط، بل صانعة القرار ومرجع الأسرة.
وفي حي كريتر بمدينة عدن، تعيش هناء خالد (35 عاماً) تجربة إصابة زوجها بشلل نصفي إثر حادث مروري قبل أربع سنوات، وتحوّل أسرتها التي تضم ستة أفراد إلى عبء ثقيل من دون مُعيل، وتقول لـ"العربي الجديد": "كنا نعيش على راتب زوجي فصار مُقعداً فجأة ولا يستطيع أن يتحرك ويشتغل. وأمام هذا الواقع القاسي لم أملك إلا خيار العمل، ومارست مهنة الخِضاب (النقش بالحناء) داخل الحي وتنقلت بين البيوت. وفي البداية خجلت من أن أدخل بيوت الناس، لكن حين رأيت أن أولادي يبكون من الجوع قلت إن الحياء لن يُطعم أحداً، وسرت إلى العمل".
وهنا واجهت هناء مقاومة اجتماعية من أقارب اعتبروا أن خروجها إلى العمل "عيب"، ونصحها آخرون بالاعتماد على المساعدات، لكنها اختارت طريقاً مختلفة "لأنني لا أحب أن أمدّ يدي لأحد، وأريد أن أتعب وآكل من تعبي". ومع الوقت باتت هناء معروفة في الحي الذي تقطنه، وصارت النساء ينتظرنها في المناسبات، وأصبح دخلها، رغم أنه متواضع، مصدر إعالة أسرتها، وتغيّر ميزان القوة الرمزية داخل بيتها. وتقول: "أتخذ القرارات بنفسي وأرتّب المصروف وأتحمّل المسؤولية. زوجي يتألم لأنه عاجز، لكنني أقول له دائماً أنت موجود وهذا يكفيني".
وبخلاف سعيدة وهناء لم تفقد تهاني (27 عاماً) زوجها بالموت أو المرض، بل بالطلاق. كانت شابة في نهاية العشرينيات، وأعالت طفلين بعد تجربة زواج قصيرة انتهت بالفشل فوجدت نفسها فجأة وحيدة في مواجهة مجتمع قاس على المطلقات اللواتي يُنظر إليهن بدونية. وتقول لـ"العربي الجديد": "الناس لم يرحموني. كانوا يصفونني بأنني مطلقة ولدي عيال ما يعني مشاكل، ثم قررت أن أحوّل مهارتي في الطبخ إلى مصدر دخل، وبدأت في إعداد مأكولات منزلية حسب الطلب في مطبخ صغير بمنزل مستأجر، وصنعت كيك وغاتو وحلويات وكشري.
تضيف: "أعددت أول طلبية وأنا أرجف خشية ألا يعجب ما أقدمه الناس، ثم عرفت حين تكررت الطلبات أن هذا الطريق لي. لم يرحمني المجتمع ورأى أشخاص أنني قوية وآخرون أنني عادية، لكن لم يكن يهمني إلا عيالي الذين قررت أن أشقى من أجلهم كي لا يضيعوا، وداخل أسرتي الصغيرة أملك سلطة كاملة، فأنا المُعيلة والمربية، وصاحبة القرار".
فعلياً ترتبط ظاهرة تزايد النساء المعيلات للأسر في اليمن بجملة عوامل متشابكة، في مقدمها الحرب المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، والتي خلّفت مئات آلاف القتلى والجرحى والمعوقين، وتسببت في انهيار اقتصادي، وأوقفت الرواتب، ورفعت معدلات البطالة بين الرجال. كما ساهمت الهجرة، سواء الداخلية أو الخارجية، في مواجهة نساء كثيرات مسؤوليات الإعالة، وأضيف إلى ذلك ارتفاع معدلات الطلاق واتساع رقعة الفقر وتراجع شبكات التضامن الاجتماعي التقليدية التي كانت تلعب دوراً مهماً في حماية الأسر الهشّة.
وفرضت هذه التحوّلات واقعاً جديداً حيث لم تعد المرأة خياراً ثانوياً في سوق العمل، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية.
ورغم تزايد عدد النساء المعيلات في اليمن لا تزال النظرة المجتمعية إليهن متأرجحة. في المدن الكبرى، ثمة قبول نسبي خاصة حين يرتبط العمل بمهن مقبولة اجتماعياً، مثل الخياطة والطبخ والخدمات المنزلية، أما في المناطق الريفية والقبلية فتواجه النساء الهمس والتشكيك والوصم الأخلاقي.
ورغم أن القبول هشّ غالباً لكنه يتسّع كلما أثبتت المرأة قدرتها على الإعالة، وتحوّل دخلها إلى عنصر استقرار للأسرة. وتقول الباحثة الاجتماعية نسيبة أحمد لـ"العربي الجديد": "ما يحدث في اليمن هو إعادة توزيع قسرية للأدوار الاجتماعية، فالمرأة المعيلة لا تكتسب سلطة من فراغ، بل من الضرورة، وهذه السلطة رغم أنها هشّة لكنها حقيقة لأنها ترتبط بالبقاء". تضيف: "أعاد عمل المرأة تعريف مفهوم القوة داخل الأسرة التي لم تعد ترتبط بالجندر بقدر القدرة على الإعالة. وهذا التحوّل، رغم قسوته، يفتح أفقاً لتغيير اجتماعي أعمق". وتشيد نسيبة بدور النساء المعيلات للأسر وتقديمهن نماذج استثنائية للصمود من خط الدفاع الأخير عن تماسك الأسرة اليمنية. في قصص سعيدة وهناء وتهاني تتجسّد مفارقة أن الهشاشة تلد القوة وأن الضعف يصنع سلطة جديدة رغم أنها تُمارس في بيوت ومطابخ وخلف ماكينات خياطة.