دراسات وتحليلات
ليلة القدر بين اختلاف المطالع واجتهاد العشر الأواخر
ليلة القدر بين اختلاف المطالع واجتهاد العشر الأواخر
كتب: الشيخ د. نادر سعد العُمري
مع اقتراب العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، يتجدد الشوق إلى تحري ليلة القدر، تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر. إلا أن هناك مسألة فقهية وواقعية مهمة يطرحها التفاوت في رؤية الهلال بين الدول الإسلامية، مما يستوجب وقفة تأمل واجتهاد مضاعف.
يوجد اختلاف في تحديد أيام هذا الشهر بين دول العالم الإسلامي؛ فبينما قد نكون في اليوم التاسع عشر من رمضان في بلادنا (الجمهورية اليمنية)، يوافق اليوم الثامن عشر في أغلب بلدان العالم الإسلامي، شرقًا وغربًا وهذا التفاوت نابع من أن مسألة تحديد دخول الشهر هي مسألة "ظنية اجتهادية"، ولا يمكن لأي طرف الجزم بيقين مطلق أنه هو المصيب في تحديد اليوم الحقيقي عند الله تعالى، ومع ذلك، فإن رحمة الله واسعة، فكل فريق صام بناءً على اجتهاد معتبر هو "مرحوم ومعذور" ومأجور على عبادته.
وتأتي أهمية هذا التفاوت عند الحديث عن الليالي العشر الأخيرة، وتحديدًا الليالي الوِتْرية (الحادي والعشرون، والثالث والعشرون، وهكذا) التي يُرجى فيها التماس ليلة القدر. فبسبب اختلاف المطالع، يبرز تساؤل جوهري: ما هو الوتر الحقيقي؟ إذ إن ليلة الحادي والعشرين عندنا، هي ليلة العشرين عند أغلب المسلمين، وليلة السابع والعشرين التي يخصها الكثيرون بالعبادة، هي ليلة السادس والعشرين في دول مثل مصر والمغرب وإندونيسيا والهند.
وبناءً على هذا، لا يمكننا الجزم بأن الليلة التي نقومها على أنها ليلة وترية هي كذلك عند الله تبارك وتعالى، فقد تكون في حقيقتها ليلة زوجية بحسب تقويم آخر، والعكس صحيح.
ولخروج المسلم من دائرة الحيرة وضمان إدراك ليلة القدر بيقين، يبرز التوجيه بالاجتهاد في العشر الليالي كلها. وإعطاء العشر الليالي حكمًا واحدًا في المبالغة من العبادة والتحري هو السبيل الوحيد لضمان عدم فوات هذه الليلة المباركة، بغض النظر عن تفاوت التقاويم البشرية، فمن قام العشر كاملة، فقد قام ليلة القدر يقينًا، سواء كانت في حساباتنا وترًا أم شفعًا. وتفاوت التقويم بين الدول الإسلامية يدفعنا دفعًا نحو مزيد من الطاعة، ويحفزنا لنبذ التقاعس في الليالي الزوجية. فلنجعل العشر الأواخر كلها ليالي وترية في الاجتهاد والقيام، سائلين الله أن يتقبل منا ومنكم ومن المسلمين أجمعين.