الأخبار
الجوف.. الصخرة التي تتحطم عليها أوهام الكهنوت ومؤامرات التنازل
كتب/ ناجي مسيح وكيل محافظة الجوف
تعد محافظة الجوف في الوعي السياسي والجغرافي اليمني أكثر من مجرد مساحة ترابية؛ إنها "قفل الشمال" وبوابته الاستراتيجية التي تربط المحافظات الجنوبية الشرقية بالمحافظات الشمالية، وتمتد في تلاحم جغرافي وسياسي مع المملكة العربية السعودية عبر حدود هي الأطول والأكثر حساسية ومن هنا، لم يكن التكالب عليها محض صدفة، بل كان انعكاساً لقيمتها كحجر زاوية في معركة استعادة الدولة.
و مع ارتفاع التوترات بين ابناء الجوف والمليشيات الحوثية والتي كان يفترض انها تشكلت غرف عمليات مناصرة و تقديم العون لوقف العنف والاختطاف الطائفي يحاول البعض، عبر آلة التضليل الإعلامي، تصوير الجوف وكأنها لقمة سائغة في فم المليشيات الحوثية، متناسين حقيقة ميدانية دامغة: إن ما يسيطر عليه الحوثي لا يتجاوز 20% من مساحة المحافظة، وهي مساحة المركز وبعض المديريات التي سقطت نتيجة خيانات وتفاهمات مريبة، لا بفعل تفوق عسكري.
ورغم هذا الحضور العسكري الهش للمليشيا، إلا أن "الأرض لا تتكلم لغتهم"؛ فالمواجهات لا تتوقف، والرفض القبلي لانتشارهم الأمني هو المشهد اليومي، حيث يثبت إنسان الجوف أن احتلال الأرض لا يعني إخضاع الارادة
ومن العجائب السياسية التي يتغافل عنها الكثيرون أن الجوف، بمؤسساتها الخدمية، لا تزال مرتبطة عضوياً بالعاصمة المؤقتة عدن. المدارس، المستشفيات، والموظفون المدنيون يتلقون حقوقهم ومرتباتهم من الحكومة الشرعية، ويمتثلون لتوجيهات المكاتب التنفيذية للشرعية.
فهذا الارتباط ليس مجرد معاملة مالية، بل هو "بيعة إدارية" صامتة يجددها أبناء الجوف يومياً، معلنين رفضهم لمنطق الانقلاب، وملتزمين بتوجيهات القيادة السياسية التي قضت بنقل مقرات السلطة المحلية إلى المناطق المحررة لضمان استمرارية الدو
ويؤلمنا كعاملين في الحقل السياسي والإعلامي أن نرى الجوف تُقدم في كواليس المفاوضات أو في التناولات الإعلامية الممنهجة كـ "منحة" للمليشيات، وكأن هناك من يسعى لمنح الحوثي بالسياسة ما عجز عن انتزاعه بالبندقية. ايضًا هناك قوى "مندسة" داخل جسد الشرعية تعمل بوعي أو بدونه على تهميش المحافظة، وتقليص المنح الإنسانية، وحرمان أبنائها من أبسط حقوق التعليم والتنمية، في محاولة بائسة لكسر إرادة قبائل "دهم" الأبية وإجبارها على القبول بواقع الاستسلام.
أما الحديث عن قبايل "دهم" العريقة فليس مجرد تشكيل قبلي، بل هي صمام أمان وجيش شعبي لا يعرف الخنوع. إنهم اليوم يفرضون "أمر واقع" يحرج الخونة والوسطاء الذين يروجون للتنازل عن المحافظة. هؤلاء الأبطال الذين يواجهون الصلف الحوثي من جهة، وتخاذل بعض المحسوبين على الشرعية من جهة أخرى، يسطرون ملحمة فريدة في التمسك بالهوية الوطنية والكرامة الإنسانية.
فالجوف لا تحتاج إلى وعود زائفة، بل تحتاج إلى قرار سياسي شجاع ينصف تضحيات أبنائها، ويدعم مكاتبها التنفيذية، ويعيد الاعتبار لمكانتها في سجلات التحرير. سيظل رجال الجوف هم الحراس الأمناء للبوابة الشرقية، وسيبقى صمودهم هو الرد العملي على كل مؤامرات التهميش. إن من يظن أن الجوف قد سقطت، هو واهم يجهل طبيعة الأرض وعزيمة الرجال، فالجوف كانت وستبقى جمهورية الهوى، شرعية الانتماء.