دراسات وتحليلات
المحافظ الرباش وإقرار الذمة المالية.. ترسيخ للشفافية وتعزيز لنهج المساءلة
خطوة تتجاوز البعد الإجرائي
في وقتٍ تتزايد فيه المطالب الشعبية بتعزيز النزاهة والرقابة على المال العام، برز تقديم محافظ محافظة أبين الدكتور مختار الرباش الهيثمي لإقرار الذمة المالية كخطوة تحمل دلالات تتجاوز الجانب الإجرائي أو القانوني، لتلامس جوهر بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
فالخطوة، في توقيتها ومضمونها، تعكس توجهاً مؤسسياً نحو ترسيخ مفاهيم الشفافية والمساءلة، وتؤكد أن السلطة المحلية في أبين تسعى إلى تقديم نموذج إداري يرتبط بالقانون والرقابة، لا بالممارسات التقليدية التي أضعفت ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية.
تعزيز مبدأ خضوع المسؤول للمساءلة
إقرار الذمة المالية لا يُنظر إليه باعتباره مجرد وثيقة رسمية تُودع لدى الجهات المختصة، بل يمثل أحد أهم أدوات الرقابة الوقائية في الأنظمة الإدارية الحديثة، كونه يكرّس مبدأ خضوع المسؤول العام للمساءلة، ويضع إطاراً قانونياً لمتابعة أي تضخم غير مبرر في الثروات أو تضارب محتمل في المصالح.
ومن هنا، فإن مبادرة محافظ أبين تكتسب أهمية إضافية، لأنها تأتي في سياق تتطلب فيه المرحلة الحالية إعادة الاعتبار لمعايير النزاهة في إدارة الشأن العام، خصوصاً في المحافظات المحررة التي تواجه تحديات مالية وإدارية كبيرة، وتحتاج إلى بناء بيئة مؤسسية أكثر انضباطاً ووضوحاً أمام الرأي العام.
رسالة سياسية وإدارية
تحمل هذه الخطوة أيضاً رسالة سياسية وإدارية مهمة مفادها أن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ من القاعدة فقط، بل ينبغي أن ينطلق من قمة الهرم الإداري، عبر التزام القيادات التنفيذية أولاً بالقوانين والإجراءات المنظمة للعمل المالي والإداري.
كما أن تقديم إقرار الذمة المالية من قبل أعلى سلطة تنفيذية في المحافظة من شأنه أن يعزز ثقافة الامتثال داخل مختلف المكاتب التنفيذية والمؤسسات الحكومية، ويدفع باتجاه ترسيخ مفهوم أن الوظيفة العامة مسؤولية وطنية تخضع للرقابة والمحاسبة، وليست امتيازاً خارج إطار القانون.
مكافحة الفساد تبدأ من بناء المنظومة
ورغم أهمية الخطوة من الناحية الرمزية والمؤسسية، إلا أن فعاليتها الحقيقية تظل مرتبطة بوجود منظومة متكاملة للرقابة والمحاسبة، تشمل تفعيل الأجهزة الرقابية، وتعزيز استقلاليتها، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
فالفساد لا يُواجه فقط عبر التصريحات أو الإجراءات الشكلية، بل من خلال بناء بيئة إدارية قائمة على الإفصاح، والحوكمة، والشفافية في إدارة الموارد، إلى جانب تمكين مؤسسات الرقابة من أداء مهامها بكفاءة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى خطوة محافظ أبين باعتبارها مؤشراً إيجابياً على وجود إرادة لتعزيز المسار المؤسسي، خاصة إذا ما تبعتها إجراءات أوسع تتعلق بتحسين إدارة الإيرادات، وضبط الإنفاق، وتطوير آليات الرقابة الداخلية، ومكافحة الاختلالات المالية والإدارية.
استعادة الثقة بالمؤسسات
المجتمع اليوم لا يبحث فقط عن الخطابات والشعارات، بل عن ممارسات عملية تعكس احترام القانون وتعزز النزاهة في إدارة الشأن العام. ولهذا، فإن أي خطوة تتصل بالشفافية والإفصاح المالي تساهم ـ ولو جزئياً ـ في استعادة الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
كما أن ترسيخ ثقافة الإقرار بالذمة المالية يمكن أن يشكل مدخلاً مهماً لإعادة بناء صورة الإدارة العامة بوصفها أداة لخدمة المجتمع وحماية موارده، لا مساحة للمصالح الشخصية أو النفوذ غير المشروع.
نحو نموذج إداري أكثر انضباطاً
تمثل خطوة الدكتور مختار الرباش الهيثمي مؤشراً على توجه يسعى إلى تعزيز الانضباط المؤسسي داخل السلطة المحلية بمحافظة أبين، وربط العمل التنفيذي بمعايير الشفافية والمساءلة القانونية.
وبقدر ما تحمل الخطوة من دلالات إيجابية، فإن التحدي الأهم سيظل في تحويل هذه المبادئ إلى ممارسة مؤسسية مستدامة تشمل مختلف مستويات الإدارة، بما يرسخ ثقافة النزاهة، ويعزز حماية المال العام، ويدعم جهود بناء مؤسسات دولة أكثر كفاءة واستقراراً.