محلية

وثيقة تاريخية تصف الأحداث التي جرت في عدن بين اليهود والمسلمين عام 1947م

منبر عدن/ خاص

من/ د.علي صالح الخلاقي

تُعدُّ المراسلات التاريخية الخاصة من أهم المصادر الأولية التي يعتمد عليها الباحثون في إعادة بناء الأحداث التاريخية، لأنها كُتبت في لحظة وقوع الحدث أو بعده مباشرة، ولم تُكتب ابتداءً بقصد التأريخ أو الترويج لرؤية سياسية معينة، وإنما جاءت لتبادل الأخبار وإبلاغ الوقائع بين أشخاص معنيين بها. ولهذا فإنها تحتفظ بقدر كبير من العفوية والصدق، وتعكس رؤية أصحابها للأحداث كما شاهدوها أو تلقوها من مصادرهم المباشرة.
وفي البدء يلزمني الوفاء والعرفان بالجميل أن أتقدم بالشكر الجزيل وعظيم الامتنان للأخ أبو نصر القعيطي لما أبداه من تعاون ، ينم عن وعيه وإدراكه لأهمية ما يزخر به أرشيف أسلافه من آل بن عتيق مشايخ القعيطي بإخراج العديد من الوثائق من أقفاصها لتكون في متناول الباحثين. 
فقد مدني مشكوراً بتصوير وثائق ومراسلات كثيرة خاصة بأحداث تاريخية تعود في معظمها إلى  حقبة جدِّه الجليل، الشيخ موسى عبدالله محمد بن عتيق، وقليل منها تخص والد جده، وهي وثائق ذات قيمة تاريخية كبيرة، تسلط الضوء على أحداثٍ ومحطاتٍ مهمة، وتكشف عن جوانب متعددة من الحياة السياسية والاجتماعية والإدارية في تلك المرحلة.
وتكشف هذه المراسلات بجلاء عن حجم المكانة التي كان يتبوؤها الشيخ موسى في عصره، بما كان له من تأثير كبير على مجريات العديد من الأحداث وارتباطاته الوثيقة وعلاقاته الواسعة في يافع وخارجها.؛ إذ جاءت الرسائل الموجهة إليه مفعمةً بأسمى عبارات التوقير والإجلال والإكبار، ومخاطباً بالألقاب التي تليق بمقامه الرفيع، وهو ما يعكس ما كان يحظى به من تقدير واحترامٍ بالغين لدى السلاطين والمشايخ ، وتؤكد أنه كان شخصيةً محوريةً ذات تأثيرٍ واضح في مجريات الأحداث، وصاحب كلمةٍ مسموعة، ورأيٍ معتبر في القضايا العامة.
ونأمل أن نجد مثل هذا التعاون من بقية الأسر التي تحتفظ بوثائق تاريخية وأن تبادر إلى إظهارها وإتاحتها للباحثين، حتى تكتمل الصورة التاريخية، وتبقى ذاكرة الوطن محفوظةً للأجيال القادمة.
وفيما يلي نص الرسالة المرسلة من السلطان فضل بن محمد بن علي هرهرة إلى الشيخ موسى عبد الله بن عتيق القعيطي بتاريخ 4 صفر 1367هـ الموافق 18 ديسمبر 1947م:

الحمد لله وحده
المحترم الشيخ موسى عبد الله، حرسه الله.. آمين 
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
بانخص لكم عن أخبار الساحل، بلغني كتاب البارح من الولد عبد المجيد. عن كل شيء عرف، وقعت هزيمة في عرب فلسطين من اليهود، وصارت قتلة عظيمة بالعرب ومن اليهود، وكذلك النصارى ساعدت اليهود، وبلغ الخبر ملوك العرب ومن عشرين ألف جندي ومن 15 ألف جندي من مصر والعراق وسوريا وغيرهم. والذي ما قدر على جنود تبرعوا بفلوس معونات لعرب فلسطين. ووقعت خُطب وهيجان في جميع الأقطار، كذلك في لحج وعدن خُطب وتكبيرات وتشريقات للجهاد. وأعان الأمير علي عبد الكريم فضل في أربعين ألف ونصف روبيات، وتجار عدن الكبار من عشرين ألف ومن خمسين ألف وكل واحد بما يقدر. وأما ملوك العرب ملايين من الجنود. 
وفي يوم الربوع 18محرم (1367هـ/ الموافق 2 ديسمبر 1947م)اجتمعت العرب في عدن بالميدان، عند البراق قصر السلطان عبد الكريم، وخطب لهم الأمير علي عبد الكريم خطبة بنصر المسلمين، وروحت الناس، وعبروا عيال المدرسة عند حافة اليهود بالرايات والنشيد فاعتدوا عليهم اليهود برجم القوارير، وحصل الهيجان بالمسلمين ذلك اليوم تاريخ 18 محرم وقتل مقدر مِيَهْ من العرب، ومن اليهود عدد كبير وجماعة نصارى، وأكثر قتول اليهود حريق، ثم أنها خرجت عسكر وأمروهم ضباط النصارى يطلقون الرصاص فوق العرب، ومنعوا وقالوا لا يمكن نقاتل إخواننا، وهذا جهاد ديني والحكومة ما لها اعتراض، ثم أن النصارى ضربوا العرب بالرصاص والمكائن، وعندما شافوا العرب الاعتداء من النصارى رموا اليهود بالرصاص، وبن الوالي من لبعوس، عسكري شاف قائد البوليس بيقتل من العرب، فقتل القائد المذكور، وهو كذلك قُتِل. ونهبوا العرب الدكاكين والسوق حق اليهود واستمر القتال ثلاثة أيام ولا يزال الهيجان والثورات، وحافة اليهود أحرقوها وأصبوها وقتله عظيم، أحرقوها بالبترول.
قامت تجار عدن مثل بازرعة وغيره بالواجب وخرَّجوا عدد من المواتر شاحنة يهود محرقين، ونهبوا أموالهم عن آخرها، وإما قتول العرب فهي من النصارى ساعدوا اليهود، يا قهراه من أعداء الدين والمسلمين، وخرجت ألوف نصارى من البحر، ومدافعين على اليهود، ولو ما النصارى استقاموا من صف اليهود كان ما يبقى يهودي، والخبر يطول شرحه مع العجل، الحقيق من الراس عند الاتفاق.
وكتابك وصل، وقد عرفناك من سابق إن نحن إن شاء الله بعد الست، لحيث أن أصحابنا غافلين، ناس بالساحل وناس بالحد، والله ما عاد إلا أنا وجماعة عيال، وهذه السنة حسب عرفناك إذا شي كأس حب سِهِل البيوت بايجي الواحد وقلبه آمن، والله ما بلقى واحد من عيال صالح بن أحمد ذي عادهم حضور، كلا قفا مهمته، ومن جنابك قد نحن دارين أنك مجتهد بالصلاح ورعيت المقام والناموس، وإن شاء الله بعد الست زائد يومين ناقص يومين با ننتظر. ذي عاده حاضر. 
والسلام ختام حرر 4 شهر صفر سنة 1367هـ/ الموافق 18ديسمبر1947م

توقيع: 
السلطان فضل بن محمد بن علي هرهرة
التعليق على الرسالة:
------------

تكتسب هذه الوثيقة، أهمية استثنائية، لأنها تؤرخ لأحداث جسام شهدتها مدينة عدن عقب صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947م، وما أعقبه من اضطرابات واسعة في عدد من المدن العربية، كان من أبرزها أحداث عدن التي لا تزال كثير من تفاصيلها محل نقاش بين الباحثين.
وتزداد أهمية هذه الرسالة لأنها لا تكتفي بالإشارة إلى وقوع الاضطرابات، بل تسجل أسماء الأشخاص، والأماكن، وتسلسل الأحداث، وتصف ردود أفعال مختلف الأطراف، وهو ما يمنحها قيمة وثائقية كبيرة، ويجعلها مصدراً مكملاً للروايات الرسمية البريطانية، والمذكرات الشخصية، والدراسات اللاحقة التي تناولت تلك الأحداث من زوايا مختلفة.
وتبدأ الرسالة بربط ما جرى في عدن بالأحداث الكبرى في فلسطين، حيث تنقل خبر الهزائم التي تعرض لها العرب، وما رافقها من سقوط أعداد كبيرة من القتلى، ثم تشير إلى أن الخبر انتشر في الأقطار العربية كافة، فهبّت الشعوب والحكومات لمساندة فلسطين، سواء بإرسال المتطوعين والجيوش أو بجمع التبرعات المالية. ورغم أن بعض الأرقام الواردة في الرسالة قد يغلب عليها الطابع التقديري أو العاطفي، فإنها تعكس بوضوح حجم التعبئة الشعبية التي شهدها العالم العربي آنذاك، ومدى ارتباط الشارع العربي بالقضية الفلسطينية.
كما تقدم الوثيقة معلومات مهمة عن المشاركة المجتمعية في عدن، إذ تشير إلى تبرعات الأمير علي عبد الكريم فضل، وإلى مساهمات كبار التجار، ومنهم آل بازرعة وغيرهم، وهو ما يكشف عن أن الدعم لفلسطين لم يكن مقتصراً على الحكومات، بل شاركت فيها التجار والقيادات الاجتماعية، في صورة تعكس وحدة المشاعر تجاه القضية الفلسطينية.
أما أهم ما في الوثيقة فهو وصفها التفصيلي لليوم الذي اندلعت فيه الأحداث داخل عدن. وتذكر أن الأمير علي عبد الكريم ألقى خطاباً حماسياً في ميدان البراق بالقرب من قصر والده السلطان عبد الكريم فضل، دعا فيه إلى نصرة المسلمين. ثم تنتقل إلى اللحظة التي تعتبرها الشرارة المباشرة للأحداث، عندما مر طلاب المدارس حاملين الرايات والأناشيد بالقرب من حافة اليهود، فتعرضوا للرشق بالقوارير من قبل اليهود، الأمر الذي أدى إلى انفجار الغضب الشعبي واتساع دائرة المواجهات.
وهذه الرواية تكتسب أهمية خاصة لأنها تقدم تفسيراً محلياً لبداية الأحداث، وهو تفسير قد يختلف في بعض تفاصيله مع ما ورد في التقارير البريطانية أو في بعض الدراسات الأجنبية، الأمر الذي يبرز أهمية مقارنة هذه الوثيقة بغيرها من المصادر للوصول إلى صورة تاريخية أكثر توازناً.
وتكشف الرسالة أيضاً عن صورة واضحة لموقف القوات البريطانية، إذ يصفها كاتب الرسالة بأنها انحازت إلى جانب اليهود، ويذكر أن بعض الجنود العرب رفضوا تنفيذ أوامر ضباطهم بإطلاق النار على المتظاهرين العرب، معللين ذلك بأنهم لا يستطيعون قتال إخوانهم. وهذه الجزئية بالغة الأهمية؛ لأنها تشير إلى وجود تباين داخل الأجهزة العسكرية نفسها، وتوضح أن موقف الجنود العرب لم يكن منسجماً بالضرورة مع سياسة السلطة الاستعمارية البريطانية.
كما تذكر الوثيقة أن الضباط البريطانيين تولوا بأنفسهم إطلاق النار على العرب باستخدام الأسلحة الرشاشة، وهو ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا العرب، قدرتهم الرسالة بمائة قتيل. ورغم أن هذه الرواية تحتاج إلى مقارنتها بالوثائق المعاصرة، فإنها تمثل شهادة معاصرة جديرة بالاهتمام، لأنها تعكس الانطباع السائد لدى المجتمع العدني في تلك اللحظة التاريخية.
ومن أبرز ما تنفرد به الرسالة الإشارة إلى حادثة استشهاد أحد أبناء آل الوالي البعسي من لبعوس يافع، والذي كان يعمل عسكرياً، حيث تذكر أنه شاهد ضابط بريطاني يطلق النار على العرب، فبادر إلى قتله قبل أن يُقتل هو نفسه في الحال. وهذه المعلومة ذات قيمة تاريخية كبيرة، لأنها توثق بطولة فردية لم يسلط الضوء عليها في معظم الدراسات المنشورة، وتفتح الباب أمام الباحثين للبحث والتحقق من تفاصيلها، وربما التعرف على اسم ذلك البطل الذي ما زال مجهولاً.
وتتحدث الرسالة كذلك عن اتساع نطاق العنف، فتشير إلى إحراق حافة اليهود، ونهب الأسواق والمتاجر، واستمرار المواجهات ثلاثة أيام، كما تشير إلى تدخل تجار عدن لنقل الجرحى والمحترقين، وهي تفاصيل تضيف بعداً اجتماعياً وإنسانياً للأحداث، وتوضح حجم الفوضى التي عاشتها المدينة آنذاك.
ومن اللافت أيضاً اللغة التي استخدمها السلطان فضل هرهرة في رسالته، فهي لغة مشحونة بالعاطفة الدينية، إذ تصف العرب بالمسلمين فيما تصف الإنجليز بلفظ "النصارى"، وتصور تدخلهم على أنه انحياز كامل إلى اليهود. وهذه اللغة لا تقلل من قيمة الوثيقة، بل تساعد الباحث على فهم طبيعة الخطاب الشعبي والسياسي السائد في ذلك العصر، وكيف كان الناس ينظرون إلى الأحداث من منظور ديني وقومي متداخل.
ومن الناحية المنهجية، ينبغي التأكيد على أن الوثائق الخاصة، مهما بلغت أهميتها، لا تُقرأ بمعزل عن غيرها، وإنما تُقارن بالروايات الأخرى، وبالوثائق الرسمية، وبما نشرته الصحف العربية والبريطانية آنذاك، حتى يمكن التمييز بين الوقائع المؤكدة والانطباعات الشخصية، والوصول إلى قراءة تاريخية أكثر موضوعية.
ومع ذلك، فإن هذه الرسالة تضيف معلومات جديدة لم تتناولها كثير من المصادر المنشورة، وتسد جانباً من الفراغ في تاريخ أحداث عدن عام 1947م، ولا سيما ما يتعلق بتسلسل الأحداث داخل المدينة، وموقف القوات البريطانية، وحجم المشاركة الشعبية، وقصة الشهيد من آل الوالي البعسي، وهي جوانب تستحق دراسة مستقلة، لأنها تمثل جزءاً من الذاكرة الوطنية لعدن والجنوب العربي عموماً.
وخلاصة القول، فإن هذه الوثيقة ليست مجرد رسالة إخبارية عابرة، وإنما تمثل شهادة تاريخية معاصرة كتبت في قلب الحدث، وتقدم للباحثين مادة أولية ثرية تساعد على إعادة قراءة أحداث عدن في ديسمبر 1947م بعيداً عن الروايات الأحادية. وهي تؤكد مرة أخرى أن الأرشيفات الأسرية الخاصة، وما تحتفظ به من رسائل ومكاتبات ووثائق، تمثل كنزاً تاريخياً بالغ الأهمية، قد يكشف في المستقبل عن حقائق جديدة، ويصحح كثيراً من التفاصيل التي ظلت غامضة أو ناقصة في كتب التاريخ.

وزيرة الخارجية تبحث مع سفيرة النرويج تعزيز التعاون ودعم الجهود الإنسانية


وزارة الصناعة تناقش مع مصنّعي الدقيق تطوير جودة المنتج المحلي وتعزيز قيمته الغذائية


مشروع «مسام» يتلف 4141 قطعة من الألغام والمخلفات الحربية في ميدي


شركة الخضيري للمقاولات تبدأ صبّ جسور مشروع حبيل جبر – جسر وادي بناء