محلية

حين يُكرِّم المجتمعُ من أفنى عمره في تربية الأجيال بمناسبة تكريم الشخصية التربوية الأستاذ عوض قاسم الصلاحي

منبر عدن - خاص

للمعلم مكانة لا تشبهها مكانة، فهو ليس مجرد موظف يؤدي عملًا وينصرف، بل هو صانع الإنسان، وحامل مشعل المعرفة، وباني العقول التي تُسهم في صناعة حاضر المجتمع ومستقبله. ومن هنا كانت الأمم التي أدركت قيمة العلم والمعلم هي الأقدر على النهوض والتقدم، لأن العلم هو القاعدة التي تقوم عليها الحضارات، والمعلم هو الذي يحمل رسالته إلى الأجيال.
وما أعظم أن يلتفت المجتمع إلى رجاله المخلصين، فيكرّمهم وهم بين أهليهم وناسهم، عرفانًا بما قدموه، ووفاءً لعطائهم، وتقديرًا لسنوات طويلة قضوها في خدمة الأجيال. فالتكريم الحقيقي ليس في مظاهر الاحتفاء وحدها، وإنما في أن يشعر صاحب العطاء بأن ما بذله لم يذهب سدى، وأن هناك من يتذكره ويقدّر جهده ويحفظ له جميله.
ومن هنا كانت سعادتي كبيرة حين بلغني خبر تكريم الشخصية التربوية اليافعية، الأستاذ القدير عوض قاسم الصلاحي، يوم غد الأربعاء الموافق 12 أغسطس 2026م في قاعة "شهد" بالمنصورة عدن، في مبادرة أهلية وشعبية جميلة، جاءت في وقتها، وأنصفت واحدًا من أولئك الرجال الذين جعلوا من التعليم رسالة عمر، ومن المدرسة ميدانًا للعطاء، ومن تربية الأجيال قضية يؤمنون بها ويخلصون لها.
وما يُقال في الأستاذ عوض الصلاحي في مناسبة تكريمه ليس سوى فيض من غيض، فهو من جيل تربوي نادر، أتيح له أن يتلقى تعليمه في عدن خلال خمسينيات القرن الماضي، حيث أنهى مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي في كريتر، ثم التحق بكلية عدن في الشيخ عثمان، وتخرج منها منتصف عام 1963م.
وفي أكتوبر من العام نفسه، بدأ رحلته في ميدان التربية والتعليم، مدرسًا في المدرسة الابتدائية بالمعلا، ثم انتقل مدرسًا إلى المدرسة المتوسطة بالوهط في لحج. وفي عام 1968م انتقل إلى يافع، التي كانت تشهد بعد الاستقلال اتساعًا كبيرًا في التعليم وافتتاح عشرات المدارس، فكان واحدًا من الرجال الذين حملوا على عواتقهم مسؤولية بناء اللبنات الأولى للنهضة التعليمية في المنطقة.
تولى إدارة مدرسة الشهيد العودي في لبعوس، ثم تنقل في ميدان التربية والتعليم مدرسًا وموجهًا فنيًا، قبل أن يصبح نائبًا لمدير أول مدرسة ثانوية في يافع عند افتتاحها عام 1981م، هي ثانوية الشهيد عبدالرحمن قحطان، وهو حدث تعليمي مهم في تاريخ المنطقة، كان للأستاذ عوض الصلاحي دور بارز في تأسيسه وترسيخه.
ومنذ عام 1995م استقر في عمله رئيسًا لقسم التوجيه والتقويم في مديرية يافع، وظل يؤدي مهمته حتى إكمال خدمته، بعد رحلة طويلة امتدت لعقود، كان خلالها مدرسًا ومربيًا وقائدًا تربويًا وموجهًا، ترك في كل موقع بصمة وفي كل جيل أثرًا.
ولم يكن الأستاذ عوض الصلاحي ينظر إلى التعليم باعتباره وظيفة تؤدى مقابل راتب، وإنما كان يراه رسالة ومهنة حياة، فأعطاها من حبه ووقته وجهده الكثير، وأخلص لها إخلاص من يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم ما يمكن أن يقدمه المرء لمجتمعه.
وقد عرفه زملاؤه وتلاميذه مديرًا تربويًا مقتدرًا، وموجهًا ذا خبرة، وإداريًا محنكًا، وإنسانًا متواضعًا دمث الأخلاق، عزيز النفس، قريبًا من الناس. وكان حريصًا على أداء واجبه مهما كانت الظروف والصعوبات، ولم يبخل على المعلمين والطلاب بخبرته ومعارفه.
ولعل من أجمل الصور التي تختصر حجم إخلاصه لمهنته، أنه كان يتنقل سيرًا على الأقدام بين المناطق الجبلية المتناثرة في يافع، متفقدًا المدارس وأحوال المعلمين والطلاب، مؤمنًا بأن المسؤول التربوي لا ينبغي أن يبقى خلف مكتبه، وإنما عليه أن يكون بين الميدان وأهله، يتلمس احتياجاتهم ويشاركهم همومهم.
وهكذا استحق عوض الصلاحي احترام وتقدير كل من عرفه أو عمل معه أو تتلمذ على يديه، لأنه كان من صفوة القيادات التربوية في يافع، بل ومن رواد التربية والتعليم فيها، وقد أسهم مع زملائه في رفع راية العلم، ووضع اللبنات الأساسية لمسيرة تعليمية ما زالت ثمارها ماثلة أمامنا حتى اليوم.
وأتذكر أنني كتبت عنه قبل أكثر من ربع قرن في صحيفة «14 أكتوبر»، في عددها الصادر بتاريخ 2 يونيو 2001م، وقلت يومها إن المعلم شمعة تحترق لتضيء للأجيال، وإن هذا الوصف ينطبق على عوض الصلاحي وعلى آلاف المعلمين المخلصين الذين عاشوا حياتهم من أجل رسالتهم.
وكنت قد أشرت آنذاك إلى ما عاناه هذا المعلم وأمثاله من ظروف معيشية صعبة وتواضع في الأجر، "ورغم الظلم الواقع عليه بسبب تدني درجته الوظيفية ( الفئة الثانية ج ) والتي لا يزيد راتبة الأساسي فيها عن (۱۱,۰۰۰ ریال) ، فأنه لم يشعر يوما بالتذمر ولم يجد الاحباط الى نفسه الكبيرة طريقاً ، بل ظل يؤدي واجـبه بنفس روح الحماس والإخلاص التي عرف بها ولا زال، وهو رغم كل ذلك يشعر بسعادة لا توصف كما يقول ، وهو يرى ثمار جهده من خلال آلاف الزهرات المتفتحة التي يفـوح أريجها في شتى مجالات الحياة".
واليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على تلك الكلمات، أجد أن أجمل ما يمكن أن يقال عن عوض الصلاحي ليس ما كتبته عنه الصحافة، ولا ما يمكن أن نكتبه عنه نحن، وإنما ما تقوله الأجيال التي تعلمت على يديه.
فمن بين تلاميذه من أصبح طبيبًا، ومن أصبح مهندسًا، ومن نال أعلى الدرجات العلمية، ومن أصبح أستاذًا جامعيًا، ومن واصل رسالة التعليم نفسها، ومن تقلد مواقع مختلفة في مجالات الحياة. وكل واحد من هؤلاء يحمل في ذاكرته شيئًا من معلمه الأول، وربما لا يدرك المعلم نفسه حجم الأثر الذي تركه في نفوس وعقول أولئك الذين مروا من أمام سبورته ودفاتره وفصوله.
وهنا تكمن عظمة المعلم؛ فهو يزرع ولا ينتظر حصادًا شخصيًا، ويعطي ولا يسأل ماذا سيأخذ، ويصنع أجيالًا قد تتجاوز مكانته وموقعه، لكنه يفرح بنجاحها وكأنه نجاحه هو.
ولذلك فإن تكريم الأستاذ عوض قاسم الصلاحي اليوم ليس تكريمًا لشخصه الكريم فحسب، وإنما هو تكريم لجيل كامل من المعلمين الذين حملوا رسالة التعليم في ظروف صعبة، وواصلوا الطريق عندما كانت الإمكانات محدودة، والوسائل شحيحة، والمناطق الجبلية متباعدة، لكنهم امتلكوا ما هو أهم من كل ذلك: الإخلاص والإرادة والإيمان برسالة التعليم.
إنها مبادرة أهلية وشعبية جميلة تستحق الإشادة، لأنها تقول للأستاذ عوض الصلاحي ولأمثاله من المعلمين: نحن لم ننسكم، وما قدمتموه لأجيالنا محفوظ في الذاكرة والوجدان.
والشكر موصول لكل من بادر إلى هذا التكريم، ولكل من أسهم فيه، ولكل من رأى أن الوفاء لأهل العطاء واجب لا ينبغي تأجيله. فمثل هذه المبادرات لا تكرّم المكرَّم وحده، وإنما تربي المجتمع كله على ثقافة الوفاء والاعتراف بالجميل، وتبعث رسالة إلى الأجيال الجديدة بأن من يخدم مجتمعه بإخلاص لن يذهب عطاؤه طي النسيان.
تحية إجلال للأستاذ عوض قاسم الصلاحي، وتحية لكل معلم أفنى أجمل سنوات عمره في تعليم الأجيال وتربيتها.
لهؤلاء الرجال الذين حملوا مشاعل العلم في أصعب الظروف، ووقفوا أمام أجيال متعاقبة، يزرعون في عقولها المعرفة وفي نفوسها القيم، تنحني القبعات احترامًا وتقديرًا وامتنانًا.
وإذا كان التكريم الرسمي جميلًا، فإن للتكريم الشعبي والأهلي مذاقًا آخر؛ لأنه يأتي من الناس الذين عاشوا مع المعلّم، وعرفوا أثره، وشاهدوا ثمرة عطائه في أبنائهم وأحفادهم.
فشكرًا لمن كرّم عوض الصلاحي، وشكرًا لكل من يكرّم معلمًا، وشكرًا لكل معلم ما زال يحمل رسالة العلم؛ فأنتم من أولئك الذين لا تنتهي رسالتهم بانتهاء سنوات الخدمة، لأن ما زرعتموه في عقول الأجيال وقلوبها سيظل حيًا ما بقي للحياة أثر.
دام الوفاء لأهل الوفاء، ودامت يافع وفيةً لرجالها الذين خدموها، ودام المعلم مشعلًا يضيء الطريق للأجيال.
أطال الله في عمر الأستاذ عوض قاسم الصلاحي، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وجزاه عن أجيال يافع خير الجزاء، وبارك في كل من بادر إلى تكريمه والاحتفاء به.

د.علي صالح الخلاقي

قصف حوثي يستهدف مسجدًا في موزع غربي تعز بعد ساعات من قصف مدرسة


أسبيدس» تؤمّن عبور دفعة جديدة من السفن التجارية في البحر الأحمر


المكلا.. مشروع «مسام» يتلف 663 قطعة من الألغام والمخلفات الحربية


مدير عام خورمكسر يطلع على أعمال استبدال خط الصرف الصحي في حي القاعدة الإدارية