عربية
بعد عقدين.. أمريكا تنسحب من العراق وتتركه ساحة مفتوحة لإيران
بعد أكثر من عقدين على الغزو الذي أطاح بصدام حسين، أنهت القوات الأمريكية وجودها العسكري الرسمي في العراق، اليوم الأربعاء، في رحيل تحتفي به إيران وحلفاؤها بوصفه «انتصاراً تاريخياً»، بينما يخشى خبراء أمنيون ومسؤولون عراقيون أن يفتح الانسحاب الباب أمام نفوذ إيراني أوسع، وعودة محتملة لتنظيم الدولة الإسلامية.
وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلت واشنطن للعراق أهمية الحفاظ على سيادته ومنع الهجمات التي تشنها جماعات مسلحة مدعومة من إيران انطلاقاً من أراضيه.
وقال مسؤول في البنتاغون إن الولايات المتحدة بصدد إنهاء عملياتها العسكرية الرسمية، لكنها ستحتفظ بقدرات استخباراتية واستطلاعية وغيرها في المنطقة يمكن استخدامها داخل العراق.
وأفاد مسؤول دفاعي أمريكي بأن الجيش نقل معدات وأفراداً جواً من أربيل قبل حلول الموعد النهائي، فيما سحب بالفعل بطارية صواريخ «باتريوت» كانت متمركزة في محيط المدينة، وسط توقعات بأن تركز واشنطن ما تبقى لديها من أنظمة دفاع جوي لحماية سفارتها في بغداد وقنصليتها في أربيل.
ونقلت «واشنطن بوست» عن مسؤولين أمريكيين أن القوات المتبقية ستعيد تمركزها في الأردن، مقر المهمة الجارية لمحاربة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، حيث يمكنها — بحسب البنتاغون — استهداف المسلحين الذين يشكلون تهديداً للأفراد والمصالح الأمريكية. وأوضح مسؤول أن «إذا انتشرت الجماعة لتصبح شيئاً يتجاوز سيطرة العراق وسوريا، وأرادوا مساعدتنا، فسندخل ونساعدهم».
إيران تحتفل.. و«المقاومة» تترجم الزخم إلى نفوذ
علّق رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على الانسحاب خلال زيارة دبلوماسية لبغداد تضمنت زيارة للموقع الذي قُتل فيه القائد الإيراني قاسم سليماني بضربة أمريكية عام 2020، قائلاً في مؤتمر صحفي: «إن جبهة المقاومة هي المنتصرة الآن».
ووصف أبو مجتبى الياسري، القيادي في «المقاومة الإسلامية في العراق»، الانسحاب بأنه «انتصار تاريخي لفصائل المقاومة الإسلامية العراقية والعراقيين الشرفاء، وهزيمة ساحقة للمشروع الأمريكي»، مضيفاً: «في 30 أيلول (سبتمبر)، سنحتفل بطي صفحة سوداء من تاريخ العراق… لقد أثبت العراق أن سيادته لا يمكن أن تصونها قوات أجنبية، بل المقاومة وإرادة شعبه».
ويقول جاسم البهادلي، محلل أمني عراقي متخصص في الفصائل الشيعية المسلحة: «من المرجح أن تستفيد إيران استراتيجياً من مغادرة التحالف، لأنها تزيل وجوداً عسكرياً ظل لسنوات يشكل قوة موازنة لنفوذ طهران في العراق». ويتوقع ألا تكتفي الفصائل بتصوير الانسحاب كانتصار، بل ستسعى إلى «ترجمة ذلك الزخم إلى نفوذ أكبر على صعيد صنع القرارات الأمنية والسياسية».
ونقلت «واشنطن بوست» عن مسؤول قوله إن الحرس الثوري الإيراني ركّز موارده في العراق على خلايا أصغر حجماً تعمل خارج نطاق شبكات المجموعات المسلحة الكبرى لتجنب الرصد والردع، فيما قال مسؤول رفيع في مكتب رئيس الوزراء العراقي إن الحرس طوّر مؤخراً عملياته شبه العسكرية في العراق، وهو ما قد يفرض تحديات على بغداد.
بغداد غير مستعدة.. وخشية من «الفراغ»
يحظى الانسحاب بتأييد واسع بين العراقيين، لكن الذين يخشون قوة الجماعات المدعومة من إيران يرون أنه جاء سابقاً لأوانه. ويقول عبد الرحمن الزوبعي، شيخ عشيرة سني في الفلوجة التي كانت معقلاً للمقاومة المناهضة للولايات المتحدة: «نعتقد أن العراق لا يزال غير مستعد بشكل كامل لتولي الملف الأمني في الوقت الراهن… يتطلع جميع العراقيين إلى السيادة الكاملة، ولا أعتقد أن أي عراقي يختلف على ذلك. لكنني أرى أن مغادرة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بهذه الطريقة، وما قد تسببه من فراغ، هو ما يخشاه جميع العراقيين».
وكان من المرجح أن يتزامن الانسحاب في 30 سبتمبر مع نزع سلاح الجماعات المدعومة من إيران، والتي تجاهلت إلى حد كبير أو تحدت الدعوات لحل نفسها. وقال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إن الجدول الزمني لنزع السلاح تم تمديده إلى يونيو 2027. ونقلت «وول ستريت جورنال» عن المتحدث باسم الجيش العراقي أن بعض الفصائل سلّمت أسلحتها وأخرى تخطط للقيام بذلك.
«داعش».. خلايا نائمة تنتظر الفرصة
يقول مسؤولون أمنيون عراقيون، في الحكومة الاتحادية وفي إقليم كردستان شبه المستقل، إن الانسحاب ينطوي أيضاً على خطر منح مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية فرصة جديدة للنشاط، إذ لا يزالون يحتفظون بشبكة من الخلايا النائمة رغم هزيمة «دولة الخلافة» قبل نحو عشر سنوات.
وقال القائد الكردي سيروان بارزاني: «على مدى أكثر من أسبوعين، رصدنا تحركات لخلايا نائمة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وذلك عقب الإعلان في وسائل الإعلام عن انسحاب التحالف الدولي رسمياً من العراق بحلول نهاية أيلول (سبتمبر)… برأيي، أدى ذلك إلى تعزيز معنويات المقاتلين». وحذّر من أن «غياب معلومات المخابرات والدعم بالإمداد والتموين والطائرات المسيرة الأمريكية سيمنح تنظيم الدولة الإسلامية فرصة لإعادة تنظيم صفوفه».
وقالت قوات الأمن العراقية إن خلية يشتبه في انتمائها إلى التنظيم كانت تستعد لشن هجمات انتحارية تتزامن مع الانسحاب، فيما قال العقيد خالد البياتي، مسؤول أمني بارز في كركوك، إن التنظيم «يسعى إلى توجيه رسالة مفادها أنه لا يزال قوياً وقادراً على تنفيذ هجمات دامية».
حصيلة عقدين.. مئات الآلاف من الضحايا
يختتم الانسحاب اتفاقاً أبرمته إدارة الرئيس السابق جو بايدن عام 2024 لتصفية الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وتنفذه إدارة دونالد ترامب في وقت تشن فيه واشنطن حرباً على إيران. وقال مسؤول أمريكي إن نحو 1500 فرد أمريكي وعضو في التحالف المناهض لتنظيم الدولة كانوا مجتمعين في العراق، حيث دمجت القوات صفوفها وغادرت قبل الموعد النهائي.
وغزت القوات الأمريكية العراق عام 2003 للإطاحة بصدام حسين، ثم احتلته ونصبت حكومة تقودها قوى شيعية، وخاضت حرباً على المناهضين لها استمرت سنوات قبل انسحابها في نهاية 2011. وعادت بعد أقل من ثلاث سنوات لمساعدة القوات العراقية على إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة في حرب امتدت من 2014 إلى 2017.
وقُتل في «عملية حرية العراق» ما يقرب من مثلي عدد الأمريكيين الذين سقطوا في حرب أفغانستان المتزامنة، التي انتهت بانسحاب أمريكي مفاجئ عام 2021. ووفقاً لأرقام مشروع «تكلفة الحرب» التابع لجامعة براون، قُتل ما يصل إلى 210 آلاف مدني عراقي بين الغزو وعام 2023، إلى جانب 4599 فرداً من الخدمة العسكرية الأمريكية.
وخلال السنوات القليلة الماضية، كان العراق الدولة الوحيدة التي حافظت على تحالفات سياسية وعسكرية وثيقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، اللتين استخدمتا في بعض الأحيان الأراضي العراقية ساحة معركة بالوكالة.
وقتلت الولايات المتحدة سليماني في ضربة جوية استهدفت مطار بغداد عام 2020، وهاجم حلفاء إيران مراراً قواعد أمريكية، مما أدى في بعض الأحيان إلى هجمات مضادة. وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق سبعة من أصل 18 جندياً أمريكياً أُعلن عن مقتلهم خلال الصراع، آخرهم جندي برتبة سيرجنت توفي أثناء تفجير تحت السيطرة لطائرة مسيرة في قاعدة قرب أربيل في يوليو.
سؤال السيادة.. بين الانتصار والفراغ
وبينما تحتفي طهران وحلفاؤها بـ«انتصار تاريخي»، يبقى السؤال معلقاً في بغداد: هل ينطوي الرحيل الأمريكي على استعادة كاملة للسيادة، أم أنه يفتح صفحة جديدة من الهشاشة الأمنية والصراع على النفوذ؟
تقول الحكومة العراقية إنها تحاول كبح نفوذ الفصائل، وتتهم واشنطن تلك الفصائل بلعب دور في الصراع الأشمل بالمنطقة عبر شن هجمات على دول مجاورة بتوجيه من طهران، أحدثها استهداف خط أنابيب نفطي سعودي رئيسي هذا الشهر، وبين احتفال طهران وخشية بغداد، يبدو أن العراق على موعد مع مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: من يملأ الفراغ؟