حين لا تكفي الانتصارات العسكرية

منبر عدن - خاص

هناك حقيقة لا يستطيع أحد إنكارها: أن القوى المحلية الجنوبية دفعت ثمنًا كبيرًا في هذه الحرب، وقدمت تضحيات كبيرة، وحققت انتصارات ميدانية مهمة، ليس في الجنوب وحده، بل امتدت مشاركتها إلى الساحل الغربي، وإلى معارك مواجهة التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة. وهذه التضحيات والانتصارات جزء أصيل من سجل هذه الحرب، ولا ينبغي التقليل منها أو محاولة محوها من الذاكرة.

لكن المشكلة التي تستحق أن نتوقف عندها ليست في حجم ما تحقق عسكريًا، وإنما في السؤال الأصعب: ماذا فعلنا بهذه الانتصارات سياسيًا؟

فقد تستطيع قوة ما أن تنتصر في معركة، وتحرر أرضًا، وتقدم آلاف الشهداء والجرحى، لكنها إذا لم تستطع تحويل هذا الرصيد العسكري إلى نفوذ سياسي، وإلى مؤسسات، وإلى قدرة تفاوضية تحمي مصالحها، فقد تجد نفسها بعد سنوات وهي تملك سجلًا حافلًا بالبطولات، لكنها لا تملك بالقدر نفسه القدرة على التأثير في القرار النهائي.

وهنا يقع الخلط الذي أضر بالقضية الجنوبية أكثر مما خدمها.

هناك فرق بين أن تكون القوات التي تقاتل جنوبية في تكوينها أو في بيئتها، وبين أن تصبح الحرب نفسها مجزأة إلى حروب مناطقية منفصلة. القوات الجنوبية التي قاتلت في الصبيحة وكهبوب وذُباب والساحل الغربي وغيرها، لم تكن تقاتل معركة منفصلة عن الخطر الحوثي الذي يهدد اليمن والمنطقة، كما أن تضحياتها لا تفقد قيمتها لأنها قاتلت إلى جانب قوات من مناطق أخرى.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف في الهوية أو الجغرافيا إلى قطيعة في فهم المعركة.

فالجنوب لا يحتاج إلى إنكار تضحيات الآخرين حتى يثبت تضحيات أبنائه، ولا يحتاج إلى الإساءة إلى كل ما هو شمالي حتى يؤكد خصوصيته، كما أن التغني المستمر بالأمجاد الماضية، مهما كانت عظيمة، لا يصنع وحده واقعًا سياسيًا جديدًا.

السياسة لا تكافئ من يملك أكبر سجل من الشكاوى، وإنما من يستطيع تحويل ما يملكه من قوة وتضحيات وإنجازات إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من السنوات الماضية.

إذا كانت القوى الجنوبية قد امتلكت قوة عسكرية مؤثرة، وراكمت خبرة قتالية، وقدمت تضحيات كبيرة، وفرضت حضورها في ميادين متعددة، فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لا يعترف الآخرون بنا؟

بل السؤال الأكثر أهمية هو: كيف نحول كل ذلك إلى تأثير سياسي مستدام؟

وهنا يصبح توحيد المعركة ضد الحوثي، وتنظيم القوات، وتوحيد القرار العسكري، وبناء المؤسسات، والحضور السياسي الفاعل، أدوات لخدمة القضية الجنوبية لا خصومًا لها.

أما تحويل الحرب إلى مجموعة جزر منفصلة، تنظر كل قوة فيها إلى معركتها باعتبارها قضيتها الخاصة، وتقيس كل منطقة النصر بما حققته وحدها، ويبحث كل خطاب عن خصم شمالي ليحمّله مسؤولية كل شيء، فلن يؤدي إلا إلى تبديد القوة التي صنعتها التضحيات نفسها.

القضية الجنوبية لا تحتاج إلى أن تختار بين الجنوب والانتصار على الحوثي؛ بل تحتاج إلى أن تفهم أن الحفاظ على قوتها وتأثيرها السياسي يمر عبر موقعها الحقيقي في المعركة، وعبر قدرتها على بناء شراكاتها، وحماية تضحياتها، وتحويل انتصاراتها العسكرية إلى مكاسب سياسية.

فالشهيد لا يحتاج إلى أن نختلف باسمه، والانتصار لا يحتاج إلى أن نقسمه بين المناطق، والتضحيات لا تصبح أعظم عندما نستخدمها لإدانة الآخرين.

نحن بحاجة إلى أن ننتقل من مرحلة إثبات أننا ضحّينا، إلى مرحلة إثبات أننا عرفنا كيف نستثمر تضحياتنا.

وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين من يصنع التاريخ ومن يظل يتغنى به.