التصعيد الحوثي.. استهداف للمدنيين وتقويض لمسارات السلام في اليمن

عدن - منبر عدن - تقرير خاص

مع كل موجة تصعيد عسكري جديدة في اليمن، يعود المدنيون إلى واجهة الخطر، في ظل استمرار مليشيات الحوثي في توسيع دائرة أهدافها لتشمل مناطق مأهولة بالسكان ومنشآت وأعياناً مدنية، بما يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر سمات الحرب اليمنية كلفة على السكان: نقل المعركة إلى حيث يعيش المدنيون.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت محافظتا مأرب وتعز، إلى جانب مدينة المخا، تصعيداً حوثياً باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتزامن مع مواجهات وهجمات على مواقع عسكرية، وأفادت تقارير حديثة بسقوط قتلى وجرحى في هجمات استهدفت المخا، فيما شهدت مأرب هجمات متزامنة بالصواريخ والمسيّرات.

ولا تبدو هذه الهجمات، وفق سجل الصراع خلال السنوات الماضية، حوادث معزولة، فقد وثق فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن إفادات متعددة حول سقوط مدنيين جراء استخدام الحوثيين أسلحة ذات تأثير واسع، بينها الصواريخ وقذائف الهاون والمدفعية، في مناطق مأهولة، كما وثق أضراراً لحقت بالمنازل وسبل عيش السكان في مناطق قريبة من خطوط المواجهة.

من الجبهات إلى المدن

المفارقة اللافتة أن التصعيد لا يتوقف عند خطوط التماس، فكلما اتسعت دائرة المواجهة العسكرية، يجد المدنيون أنفسهم أمام تداعياتها، سواء عبر القصف المباشر للمناطق السكنية أو استهداف البنية التحتية والمنشآت التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.

وفي مأرب، تكرر خلال سنوات الحرب استهداف أحياء ومناطق سكنية بالصواريخ، الأمر الذي تسبب في سقوط ضحايا مدنيين وأضرار بالمنازل، كما شهدت مناطق أخرى، بينها رداع وحجة، وقائع موثقة وتقارير حقوقية تتحدث عن سقوط مدنيين جراء هجمات حوثية في مناطق مأهولة.

وتكشف هذه الوقائع عن مشكلة تتجاوز الخسائر المباشرة؛ إذ إن استمرار استهداف المناطق المدنية يضاعف حالة الخوف والنزوح، ويضرب النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية، ويجعل السكان المدنيين يدفعون ثمن صراع لا يملكون قرار إشعاله أو إيقافه.

حين تصبح المنشآت المدنية جزءاً من دائرة الاستهداف

ولا يقتصر الأمر على الأحياء السكنية، فخلال التصعيد الأخير، تحدثت تقارير عن محاولات حوثية لاستهداف منشآت مدنية وحيوية في مدينة المخا، بينها منشآت مرتبطة بالطاقة، بالتزامن مع هجمات أخرى في المنطقة.

وهنا تبرز خطورة انتقال الاستهداف من المواقع العسكرية إلى الأعيان المدنية؛ لأن الضرر لا يطال مبنى أو منشأة فحسب، وإنما يمتد إلى الخدمات التي تقدمها للمواطنين وإلى النشاط الاقتصادي وحركة السكان.

فالأسواق والموانئ والمنشآت الخدمية ومرافق الطاقة ليست مجرد أهداف في خارطة الصراع، بل شريان حياة لملايين اليمنيين، وأي إضرار بها ينعكس سريعاً على الغذاء والدواء والنقل والكهرباء والمياه وفرص العمل.

استهداف المدنيين.. نهج متكرر لا حادثة عابرة

النظر إلى التصعيد الحالي باعتباره حادثة منفصلة لا يفسر الصورة كاملة. فالسجل الميداني للحرب اليمنية يتضمن، على مدى سنوات، اتهامات وتقارير متعددة بشأن استهداف مدنيين ومناطق مأهولة من قبل مليشيات الحوثي، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى توثيق انتهاكات للقانون الدولي الإنساني والتحذير من آثارها على السكان.

وقد وثق فريق الخبراء الأممي اتهامات واضحه لمليشيات الحوثي باستخدام أسلحة ذات تأثير واسع في مناطق مأهولة، إضافة إلى تقارير عن قنص مدنيين واستهداف مناطق سكنية، مؤكداً أن السكان القريبين من خطوط المواجهة تحملوا آثاراً كبيرة على حياتهم وممتلكاتهم وسبل عيشهم.

لذلك، فإن القصف الأخير في مأرب والمخا لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن هذا السياق؛ بل باعتباره حلقة جديدة في مسار طويل من تعريض المناطق المدنية للخطر كلما تصاعدت المواجهة.

التصعيد الحوثي يقوض مسارات السلام

سياسياً وإنسانياً، يضع هذا السلوك ادعاءات البحث عن السلام أمام اختبار حقيقي، فالسلام لا يمكن أن يقوم بالتوازي مع استمرار استهداف السكان أو تعريض المنشآت المدنية للخطر.

وفي كل مرة تُطرح فيها مسارات جادة للتهدئة وإحياء عملية السلام في اليمن، تعود مليشيات الحوثي إلى التصعيد العسكري واستهداف المدنيين والأحياء السكنية والأعيان والمنشآت المدنية، في سلوك يهدد فرص التهدئة ويقوض الجهود الرامية إلى تفعيل مسار سياسي شامل ينهي الحرب، ويعكس هذا النهج إصراراً على استخدام التصعيد والانتهاكات كأدوات لفرض واقع جديد على الأرض، بدلاً من الانخراط الجاد في جهود السلام، الأمر الذي يجعل حماية المدنيين ووقف استهدافهم شرطاً أساسياً لأي تهدئة حقيقية ومسار سياسي قابل للاستمرار.

وفي نهاية المطاف، يبقى المدني اليمني الضحية الأولى لهذا النهج التصعيدي، إذ يدفع المواطن ثمن استمرار مليشيات الحوثي في توسيع دائرة العنف واستهداف الأحياء السكنية والمنشآت المدنية. وبينما تسعى الجهود السياسية إلى فتح نافذة للتهدئة وإحياء مسار السلام، يجد اليمنيون أنفسهم أمام منازل مهددة، وأسواق متوقفة، وخدمات متضررة، ومدن تعيش تحت وطأة الخوف، في مشهد يؤكد أن استمرار التصعيد الحوثي لا يهدد الأمن والاستقرار فحسب، بل يقوض أيضاً فرص الوصول إلى سلام مستدام.

ومن هنا فإن مواجهة التصعيد الحوثي لا ينبغي أن تُقاس فقط بما يحدث في الجبهات، وإنما أيضاً بما يحدث داخل المدن وبين السكان. فحين تنتقل آثار المعركة إلى الأحياء السكنية والمنشآت المدنية، تصبح حماية المدنيين أولوية تتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية، وتتحول إلى مسؤولية إنسانية وقانونية لا تحتمل التأجيل.

وفي ظل تعثر مسارات التفاوض وتكرار استغلال الهدن وفترات التهدئة لإعادة ترتيب الصفوف والاستعداد لجولات جديدة من التصعيد، يرى مراقبون أن الرهان على تسوية سياسية مع مليشيات الحوثي، من دون وجود ضمانات حقيقية تلزمها بوقف العنف والانخراط في مسار السلام، لم يعد كافياً لإنهاء الأزمة، ويؤكد هؤلاء أن معالجة أصل المشكلة تقتضي استعادة الدولة لسلطتها وإنهاء الانقلاب ومواجهة المشروع الحوثي الذي أبقى اليمنيين والمنطقة تحت تهديد مستمر، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية، وصولاً إلى سلام مستدام يقوم على دولة قوية ومؤسسات شرعية وقانون يحمي جميع اليمنيين.