تكرار رحلات ما قبل العاصفة.. قد تقود اليمن إلى ما بعد الحوثي

‏في 1 مارس 2015، دشن الحوثي تسيير رحلات جوية من طهران إلى مطار صنعاء بواقع رحلتين يومياً. وفي 26 مارس من العام نفسه، انطلقت عمليات قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، بعد أن استشعرت الدول العربية الخطر المحدق بأمنها القومي، وأدركت حتمية الوقوف إلى جانب الأشقاء في اليمن. حينها، أُوقفت هذه المهزلة الحوثية - الإيرانية بحظرٍ جوي حازم فرضته قوات التحالف، وعندما حاولت طائرة إيرانية اختراق هذا الحظر في 28 أبريل، جاءت ردة فعل التحالف قاصمة ووبالاً على جماعة الحوثي الإرهابية.

‏واليوم، يحاول الحوثي تكرار السيناريو نفسه مع أسياده في طهران، بعد أن استنفد كل أساليب الاستفزاز لدول الجوار والمنطقة؛ إذ يسعى لإشعال فتيل صراعٍ جديد يهرب إليه من الاستحقاقات والمطالب الشعبية في مناطق سيطرته؛ فالشعب الذي تُنهب حقوقه ومرتباته منذ 12 عاماً، بات يدرك أن المليشيا تتذرع بالحرب كلما طالب بقوته. وللأسف، يفضل الحوثي أن يزج بهذا الشعب في أتون حربٍ تخدم مشروع طهران، بدلاً من أن يواجهه ويعيد إليه حقوقه المسلوبة.

‏لا أظن أن سيناريو 2015، سيتكرر كما يشتهي الحوثي، فهو لا يبالي بالتضحية بمن يقفون في صفه؛ إذ يَعدُّهم مجرد وقود لترسيخ سيطرته على شعبٍ جاء ليغتاله وينهب مقدراته. لا تعنيه مكتسبات الوطن، بل يصبو فقط لافتعال الأزمات وزعزعة أمن واستقرار المنطقة.

‏المتغيرات اليوم كثيرة مقارنة بعام 2015. حينها، كان الناس يعلمون أن الحوثي سيئ، لكنهم لم يتخيلوا أبداً أن يبلغ هذا المدى من القبح والإجرام. لم يكن حينها قد صادر حقوق المواطنين، ولا سلب رواتبهم وحرمهم منها طوال 12 سنة، ولا فرض عليهم دفع "الخُمس" مقاسماً إياهم أرزاقهم. لم يكن قد سجن النساء الحرائر، أو فجّر أحياء سكنية بأكملها كما حدث في رداع، ولم تكن قياداته قد تورطت في اغتصاب الأطفال وتفخيخ البلاد وتلغيمها وتدمير المدارس والمساجد، أو حتى قتل النساء والأطفال بالوحشية التي رأيناها فيما بعد، والتي بلغت اليوم إحصائيات مفزعة.

‏لم يكن الحوثي في العام 2015 قد كشر عن أنيابه ضد أبناء الشعب بمختلف انتماءاتهم؛ فلم يمنع بعد صلاة التراويح، أو يقتل أئمة المساجد، أو يُجبر الطلاب على ترك مقاعد الدراسة للالتحاق بدورات التعبئة والزج بهم في محارق الجبهات، بل كان يتستر كذباً وزوراً خلف شعارات "نصرة المظلومية" والدفاع عن حقوق الشعب.

‏ولم يكن حينها قد أهان القبائل، أو همشها ونكل بها شر تنكيل، حتى وصل الحال اليوم إلى أن نرى شيخاً قبلياً في الستين من عمره يبكي بحرقة، مستنجداً بكل قبائل اليمن لإزاحة الظلم الذي طاله، وذلك بعد أن أقدم الحوثي على اختطاف المرأة التي لجأت إليه واستجارت به، متمادياً في إجرامه وعنجهيته بالزج بهما في غياهب السجون وتعذيبهما، دون أدنى مراعاة لسنٍ أو عرفٍ أو دين.

‏في 2015، خرج الشعب لقتاله فقط لرفضه الفكر الكهنوتي والانقلاب على النظام، إذ أبى اليمنيون أن تحكم بلادهم مليشيات. قاتلوه حينها بتلك الشراسة، رغم أنه لم يكن للكثير منهم ثأرٌ مباشر معه؛ فلم يكن قد قتل أقاربهم، أو نهب أموالهم ومنازلهم، ولم تكن الملايين قد أُلقيت على رصيف التسول بعد نهب مرتباتهم طيلة 12 سنة، بل ووصل به الحال إلى منع التجار والميسورين حتى من دفع الزكاة للمحتاجين.

‏ولو عقدنا مقارنةً بسيطة لحجم الثأرات والحقوق التي في عنق الحوثي بين عام 2015 واليوم، لاكتشفنا بكل وضوح أن مصيره هو الهزيمة الحتمية في معركة اليوم. فإن كانت الجرّة قد سَلِمَت بالأمس، فلن تسلم اليوم. يُضاف إلى ذلك أن الحوثي لم يعد يواجه مقاومة شعبية بسيطة كما كان الحال في 2015، بل أصبح أمام قوات عسكرية ضخمة ومجهزة وقادرة على الحسم. هذه القوات مسنودة بتحالف عربي حازم، أعلن بوضوح أنه لن يتوانى عن توجيه ضربات قاصمة إذا ما هُددت سيادة اليمن أو أمن المملكة، ومسنودة أيضاً بقبائل حرة توافدت من كل حدب وصوب لرفع الضيم عن الشيخ "فدغم" ونصرته.

‏وأمام هذه المعطيات والمتغيرات، وفي ظل الاحتقان والغضب والسخط الشعبي ممّا اقترفته هذه المليشيا الإجرامية، فإن النتيجة الحتمية لن تكون أبداً كما يحلم الحوثي. إن الممارسات الإجرامية الممنهجة التي مارسها بحق الشعب كفيلة باقتلاعه من داخل كهفه بمجرد حصول اليمنيين على فرصة للأخذ بثأرهم من هذا الإجرام، ونفض غبار حياة الذل والفقر والمهانة والاستبداد، والانتقال إلى الحياة الطبيعية الكريمة كباقي شعوب العالم.

انتهى

مقالات الكاتب