في الجهة الأخرى من اليقظة
في منتصف ليلة البارحة.. استيقظت متوتراً بسبب كابوس لعين، كنت أركض فيه ببطء شديد وملتفتاً لسيارة بحجم ثلاثة منازل تطاردني وعلى متنها مسلحين غير واضحين الملامح.. أحاول الإسراع بلا جدوى كنت أتحرك بتثاقل أيقظ الادرينالين ورفعه لمستويات غير مسبوقة.. حاولت العودة للنوم ولم أستطع.. تصفحت مكتبة الهاتف باحثاً عن كتاب لأقرأه ووقع الاختيار على رواية بعنوان "عصيدة الكونتيسة بيرت" لـ ألكسندر دوما..
لم أكمل صفحة حتى وجدتني جالساً في عصيدة كبيرة بحجم مطيرة، وممسكاً بكتاب بلا عنوان، أتصفح أوراقه الفارغة من أي محتوى، وقبل أن أهم بإغلاقه أستيقظت بعد قرصة بعوضة مؤلمة في أذني متبوعة بطنين مستفزّ جعلني أمدّ يدي لأصفعها بالكتاب الذي نسيت أنه كان معي في الحلم ولم يعد موجوداً.. عُدت لعصيدة دوما مرة أخرى عازماً على التهام ربعها على الأقل قبل العودة للنوم.. وبلا سابق إشعار وجدتني أتصفح الكتاب الفارغ باحثاً عن العصيدة التي استبدلها الحُلم برصيف يضجّ بالباعة المتجولين، والمشردين، والمجانين.. سألت الباعة: " حد شاف عصيدة كبيرة كانت هنا؟! عصيدة كبيرة بحجم مزرعة؟!
وقبل أن أوضّح الأمر لأحد البائعين الذي تدلَّت من وجهه المجعَّد ابتسامة ساخرة كأنه يقول من خلالها:" زادنا مجنون جديد" لمحت في الشارع المقابل سيارة كبيرة جداً جداً جداً وتحمل مسلحين بلا ملامح.. قررت القفز من فوق جسر محاذي للرصيف يجري تحته نهراً أحمر.. لكن لم تقوى قدماي على حملي، وقلت للباعة المتجولين وللمشردين أحملوني الآن وارموني من فوق هذا الجسر.. ليردد الجميع بما فيهم المجانين: "لاحول ولا قوة الا بالله".
وقبل أن تصل السيارة الكبيرة للمكان وجدتني مستيقظاً فجأةً وبجانبي هاتفي المقلوب على وجهه بعد سقوط مفاجئ لحظة سرقني النعاس قبل قليل..
شعرت براحة عابرة بعد أن تأكدت بأنني كنت أحلم وأنه لا وجود للسيارة، ولا للجسر، ولا للنهر الأحمر.. والأهم من ذلك، بأنني لست مجنوناً.
قررت هذه المرة أن لا أنام مهما كانت الاغراءات، وأن أعود لعصيدة دوما التي عصدت دماغي عصداً..
بدأت بالتهامها مجدداً بلهفة أكبر. بعد قراءة عشر صفحات تقريباً شعرت بخدر لذيذ يسري في عروقي.. تباً؛ إنه النعاس.. غسلت وجهي بالماء ليذهب بعيداً ولكن دون فائدة.. وضعت هاتفي بجانبي، واتخذت وضعية النوم المفضَّلة على الجنب الأيمن.. وبعد وقت قصير وجدتني أحمل نخلة طويلة.. كيف تمكنت من حملها؟! لا أدري.. المهم أنني كنت متجهاً بها نحو بيت ضخم بلا أبواب ولا نوافذ، يتجمهر حوله الآلاف باحثين عن طريقة لدخوله لتيقنهم من أن بداخله كنزاً ثميناً.. افسحوا لي وللنخلة المجال، وضعتُ رأسها على سطح البيت.. تسلَّقتها والشعور بنشوة الحظّ يتسلق بيت الدوبامين داخل دماغي بعجل ليصل قبل أن أصل لسطح المنزل الذي ما إن وصلته حتى هويت لأعماقه لانه كان بلا سقف، وشعرت بأن نشوة النصر جفّت قبل استقرارها ببيت الدوبامين الذي أصبح فارغاً في دماغي.. لم أجد أي أثر للكنز المزعوم.. كان المنزل فسيحاً جداً مثل ملعب كرة قدم، وكان مظلماً للغاية.. سرت بداخلي رعشة خوف غريبة لم أعهدها، ناديت بصوت مرتفع ربما يسمعني أحد هنا ولا جدوى.. ارتميت من فرط التعب لأنعم بنومة خفيفة رأيتني فيها ممسكاً ببعوضة تحاول قرصي.. قمت بربطها بحبل من ساقها وربطته بمسمار عاطل عن العمل بالقرب من فراشي، ربما كان في السابق يشغل وظيفة مهمة تتعلق بالناموسية التي كرهت استخدامها لأنها تشعرني بأنني مسجون.. وبينما كنت أفكر في أمر الكنز الثمين وأمر عصيدة دوما تسلقتْ ذهني فكرة غائمة لم توضّح تفاصيلها فتركتها تجفّ.. هل أنا نائم الآن أم مستيقظ؟! لا أدري.. شممت رائحة توابل العصيدة، رأيتها تتدحرج من منحدر عالي، هرعت لتلقيها مفرِدا ذراعيّ اللذان صارا بحجم عموديّ إنارة.. ركضت ببطء شديد وقبل أن أوقف تدحرج العصيدة استيقظت فجأةً وثمة من يهزّ كتفي ويهمس بصوت مخيف: " تريد الكنز هاااه".. انغرست مكاني كشجرة سيسبان، لم أستطع أن أتحرَّك مطلقاً.. أرسلت بصري أعلى المنزل المهجور المظلم لأرى حبلاً يتدلى، سرت في وريدي نشوة أمل.. وقبل أن يصل الحبل لمكاني سمعت صوت السيارة الكبيرة الحجم التي طاردتني أول الحلم.. أغرقتني بالاضاءة وسط الظلام الكثيف.. نهضت ببطء، أحاول القفز لأصل للحبل ولا جدوى.. وقبل أن تصطدم السيارة بي استيقظت لأجد البعوضة متضخمة الحجم بأضعاف..
تبدو كناقة عملاقة.. قطَعَتْ الحبل، ونتختْ المسمار، وجزء من جدار السطح، وقلبي وقالت بصوت آلي متثاقل:
أنا الكنز الذي تبحث عنه.. وقبل أن تمدّ مخالبها اللامعة كنصلة سيف صقل للتوّ.. استيقظت على رائحة توابل عصيدة كِنب ساخنة.
