بائع المناديل
وأنا أفكر بكتابة قصة قصيرة تقفز بي مسافة دهشة متذوق أو دهشتين للأمام، وربما صفعة متهكّم أو صفعتين للوراء، أجتاز في عجلٍ مريب مرحلة: أنا أفكر.. وأقفز بثقة - قد تكون في غير محلَّها، أو قد تكون - لمرحلة: أن أبدأ الكتابة فعلياً..
أوهمت ذاتي المحبة للسرد سراً، وبعيداً عن خفقات الشعر - المتدفقة في دمي الآن - حتى لا يشعر بالغيرة.. أو بالأصح حتى لا يهجرني للأبد، إذا ما بدوت للحظة مجاهراً بذلك الحب الخفيّ الذي ينمو بعد كل رواية أضيفها لقائمة الكتب المقروءة، مسافة نخلة نحو سماء إعجاب تسمّي نجومها قلادة تمر على مقاس نحر نخلة محبة السرد القادمة من أعماقي بسرعة جياد عربية أصيلة..
وأنا أفكر، وأنا أقرر، وأنا أحاول البدء، ينسكب بذهني مشهداً - صار قبل أيام - لرجلٍ كان يحتشد ببكاء مؤجّل فوق رصيف يحتشد بالباعة المتجولين.. وقد فسّرت لي ملامحه المتعلقة بتجاعيدها الجمّة أحزاناً يراها الإنسان - بعيداً عن قوانين الفيزياء - يراها بالبصيرة الإنسانية الراسخة جذورها بأعماق القلب.. وهذا ما يؤكد الاعتقاد السابق بأنه يحتشد بالبكاء..
كانت الأحزان المرتدية ملامحه برهاناً لا يقبل النقاش بأنه مُعبأ بالبكاء، كما لو أنه خزّان مياه كبير، ولكنه لا يبكي، لأن لخزّان آلامه محبساً مصنوعاً من معادن نادرة الوجود تدعى: الكبرياء وعزة النفس، بالإضافة لمواد أخرى مستخلصة من ينابيع الصبر التي بدأت تنضب في هذا العالم الضاجّ بالتذمر والشكوى..
بعد انتهاء هذه الفلسفة - التي لا يهمني اتفاقك معها أو معارضتك لها - فالأمر سيّان عندي.. عقدتُ اجتماعاً طارئاً معي في غرفة صغيرة أقصى المخيّلة، المتأهبة للبداية بحماس كبير لو شعرت به القصيدة النائمة في الغرفة المجاورة لتبرأت مني..
انتهى الاجتماع باختلاف في الرأي ما بيني وبيني.. أريد أن أكتب قصة المُسن بائع المناديل، ولا أريد أن أكتبها بالوقت نفسه.. ولا أدري لماذا..؟!
اتفقنا أنا وأنا على استراحة قصيرة نعود بعدها لاجتماع آخر يحسم القضية..
وبينما أخرج مني، من مخيّلتي، من متاهات خياراتي، وقفتُ بمنتصف إحدى عينيّ فوق دمعة ساخنة مجهولة الهويّة.. غرستني نظرة مفاجئة بأعماقها واتجهت بي نحو الرصيف البعيد عن جسدي مسافة شارع... وبحساب الرجل، فيما لو كنت واقفاً مكانه، مراقباً لطابور الجنود عند بوابة أحد محلات الصرافة لاستلام الرواتب، مسافة عُمر كامل من الخيبة..
اِنحنى على كرتونه - قبل أن أصله على متن نظرة مبتلّة بدمعة - ليحصي عدد شدّات المناديل التي سيبيعها اليوم..
رفع ذراعيه بتثاقل، كما لو أنه يحمل البلاد الجريحة كلها على سواعده المتيبسّة، ربما لطول ما مدّها آملاً وعادت خائبة..
من داخل قطرة الدمع الشفافة التي تغرقني استطعت أن أحصي عدد شدّات المناديل المحمولة على كفّيه، كما لو أنها أطفاله.. كما لو أنها كل شيء..
أربع شدات فقط..!!
لو باعها جميعها لعاد لمنزله بخمسة أو أربعة آلاف ريال لعين.. ومن هذا المبلغ الزهيد لن يتعدى ربحه الثمانمائة ريال على أعلى تقدير..
تعيدني ذات النظرة التي تأسرني داخل دمعتها المريرة إلى رمشي، تسلقنا الرمش الذي كاد أن يسقطنا بسبب دمعة ثانية تختبئ خلفه.. عُدت بي لمتاهات خياراتي التي تضاعفت، ومنها لمخيّلتي التي صارت رطبة، وتفوح منها رائحة البكاء، لأن ثمة دموعاً في المحاجر يرتبها المشهد القاسي أمامي على الرصيف.. وأنا من الناس الذين يلفّ صدى دمعهم كل خلية بالجسد، مُحدثاً مأتماً صغيراً..
في أقاصي المخيّلة المبتلة بأسى شفيف عدتُ للاجتماع بي مجدداً، وقبل بدء الاجتماع باغتتنا دمعة أكبر من السابقة، وجرّتني دون استئذان إلى شرفات إحدى العيون..
وبعد أن استقريت داخل الدمعة الجديدة على متن نظرة جديدة، اتّجهتْ على عجالة إلى الرصيف حيث بائع المناديل..
وقفنا على فريم سيارة حديثة، لا شكّ بأنها لمسؤول أو تاجر.
كان مشهد الحوار بينه وبين بائع المناديل يصل للمخيلة أخرساً، لأننا نسينا أن نصطحب الأذن معنا..
انتهى الحديث الصامت بتراجع البائع للخلف حاملاً معه مناديله غير منقوصة.. لم يزدد إلا خيبة وجدت لنفسها مكاناً في وجهه المحفور بالتجاعيد والندوب..
تُرى ماذا قال له السائق..؟!
ربما نبش ذاكرة جراحه بتساؤل محرج أو موجع..
تسمّرتُ داخل الدمعة التي دخلتْ بدورها للنظرة بعد أن سقطنا على الرصيف لفرط وجع استجدّ بنا بعد أن كُسرت عينا بائع المناديل اللتان لمعتا وتأهبتا بلهفة قبل لحظات لنزرٍ يسيرٍ من الفرح يعقب كل بيعة لا تفشل..
تركتني على الرصيف، منتظراً قدوم باقي جسدي الذي يتحرك الآن بتثاقل نحو الرصيف..
وما إن وصل والتقَطَني مضرَّجاً بالدمعة المتفحمة ليعيدني إليّ، وجدتني أسلّم على بائع المناديل بحرارة كبيرة، كما لو أنه عزيزاً قدم من سفر بعيد.
سألته عن حاله، رغم معرفتي مسبقاً بالإجابة المريرة التي لا شك سيغلفها بمفردة "بخير"..
"بخير" هذه التي يختبئ خلفها حزانى ومرهقو هذه البلاد كل يوم، لتفادي الاصطدام بالشفقة أو الشماتة..
ردّ بـ "بخير" نازفة، وبنبرة تحتشد ببكاء صامت لمع صداه في ملامحه وتجاعيد وجهه، بكاء مرير لو وُضعت النبرة المكتظة به على صخرة لشقّتها..
سألته بعد أن ربّتُ على كتفه في محاولة للمواساة:
هل قال لك صاحب السيارة البيضاء قبل قليل كلاماً يُحزنك..؟!
أجاب بنبرة أكثر حزناً ومرارة:
سألني لماذا أبيع المناديل في هذا الجو الخانق وأنا كبير بالسن؟!.. حاولت إجابته ولم أستطع، ولمّا ألحّ قلت له إنني بلا إخوة ولا أبناء وأعيل أسرة كبيرة.. كان لدي ولدان، أحدهما استشهد قبل عشر سنوات بالحرب، والآخر سرق أحد أبناء المتنفذين منحته الدراسية المُستحقة، فأصيب بحالة نفسية جعلته حبيس المنزل.
لم يكمل الكلمة الأخيرة حتى فكّ أسر البكاء المحتشد دفعة واحدة..
بكى بمرارة، وبكيت، وبكت المناديل، وبكى الرصيف.
وبعد وقت طويل من الصمت المغلّف بالقهر والأسى، اتفقت معي أخيراً على البدء بكتابة قصة قصيرة.
