لماذا يتكرر المشهد ؟
كلما دخل اليمن مرحلة مفصلية، وكلما تصاعدت تحركات الحوثيين أو ارتفعت احتمالات المواجهة، يعود إلى الواجهة مشهد يتكرر بصورة تثير الاستغراب والتساؤلات : خلافات سياسية، صراعات بينية، قرارات مرتبكة، ملفات فساد تتصدر المشهد، وتراجع في الأولويات الدينية والوطنية.
قد يكون بعضها ناتجا عن سوء الإدارة أو ضعف التنسيق، لكن تزامنها في أكثر اللحظات حساسية يجعل كثيرين يتساءلون : ماهو السر ؟ وأين يكمن الخلل ؟ ولماذا تتكرر هذه الظاهرة في كل منعطف مصيري !؟
قبل سقوط صنعاء بيد الحوثيين، كانت مؤسسات الدولة تعاني من الانقسام بين مراكز النفوذ والفساد والتجاذبات، بينما كانت الجماعة تتمدد على الأرض مستفيدة من حالة الارتباك وضعف القرار .
عندما انتقل الرئيس عبدربه منصور هادي إلى عدن، ومع بدء الحشد العسكري لغزو الجنوب، برزت مجددا الخلافات داخل عمق مؤسسات الدولة، وظهرت شكاوى من ضعف التنسيق، ومن عرقلة دعم بعض القوى كاللجان الشعبية القادمة من أبين التي شاركت في الدفاع عن عدن، وتشكيلات أخرى من المقاومة الجنوبية بالتزامن مع استمرار حالة الارتباك داخل المؤسسات العسكرية والأمنية كما حصل من عبث في مخازن الأسلحة في جبل حديد .
وفي معركة الساحل الغربي، وبعد التقدم العسكري الذي وصلت خلاله قوات العمالقة الجنوبية إلى مشارف مدينة الحديدة وسيطرت على مناطق استراتيجية مثل كيلو 16، توقفت العمليات العسكرية عقب اتفاق ستوكهولم، وهو اتفاق ثبت مليشيا الحوثي وعرقل انهيارها .
اليوم، ومع إعلان الحوثيين التعبئة العامة،ووصول خبراء الحرس الثوري الإيراني إلى صنعاء وتصاعد التحركات العسكرية الحوثية، عادت إلى الواجهة، تسريب صراعات داخل مجلس القيادة الرئاسي، وتخبط في قرارات تعيين وزراء، والخلافات داخل مؤسسات الدولة، والتسريبات الإعلامية حول ملفات الفساد في المنح الدراسية وغيرها، والجدل حول أداء وزارة الدفاع وبعض الوزارات، إلى جانب شكاوى متكررة بشأن إهمال دعم بعض الجبهات العسكرية في شبوة وأبين ويافع والضالع والصبيحة .
المشكلة أن تكرار هذا المشهد في كل مرحلة حساسة ينعكس مباشرة على معنويات الناس، ويمنح الخصم فرصة للاستفادة من حالة الانشغال الداخلي .
ومن أخطر المظاهر التي تتكرر مع كل مرحلة تصعيد :
1- قرارات "متسرعة" تربك المشهد بدلاً من توحيده.
2- عدم معالجة ملفات فساد تستنزف ثقة الشارع بالدولة.
3- تراجع الخدمات الأساسية في توقيت بالغ الحساسية.
4- تصاعد الخلافات والتسريبات بين المكونات السياسية.
5- شكاوى من ضعف الاهتمام ببعض الجبهات والمحاور المهمة.
6- انشغال المسؤولين بالصراعات الإدارية والإعلامية على حساب الأولويات .
7- غياب المساءلة السريعة والشفافة، بما يسمح بتراكم الأخطاء وتعميق فقدان الثقة .
وفي أوقات الخطر، لا تحتاج الدول إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى قيادة صادقة، ومؤسسات فاعلة، وقرارات واضحة، ومحاسبة حقيقية لكل مقصر أو فاسد أو متلاعب . فالمعارك لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بالقتال بمصداقية على الأرض، وحسن الإدارة، وقدرة القيادة على ترتيب أولوياتها في الوقت المناسب .
