الإعلام الوطني واستعادة زمام المبادرة في معركة الوعي

منبر عدن - خاص

لم تعد المعركة في اليمن تحسم في الميدان العسكري وحده ، فقد انتقلت بصورة متزايدة إلى فضاء آخر لا يقل أهمية ، هو فضاء الوعي والرواية والإدراك العام.

وفي هذا الفضاء تتنافس الأطراف على تفسير الأحداث ، وتحديد المسؤوليات ، وصياغة الأسئلة التي تشغل المجتمع ، وتقديم الصورة التي يريد كل طرف ترسيخها لدى الداخل والخارج.

ومن هنا لم يعد الإعلام الوطني مجرد ناقل للأحداث أو منصة لإصدار البيانات بل أصبح جزءا أساسيا من منظومة حماية الوعي الوطني والدفاع عن الحقيقة وتوضيح سياقات الصراع وكشف محاولات تضليل الرأي العام أو تقديم الوقائع بصورة مجتزأة.

التحدي الحقيقي أمام الإعلام الوطني لا يتمثل فقط في سرعة نقل الخبر ، وإنما في امتلاك القدرة على تفسير الحدث قبل أن يفسر من الآخرين ، وتقديم الرواية الموثقة قبل أن تملأ الروايات غير الدقيقة الفراغ المعلوماتي.

وتبرز هنا أسئلة جوهرية :

- من قوض مؤسسات الدولة ؟

- من أضر بمصالح اليمنيين ؟ ومواردهم ؟

- من استهدف المدن والأحياء السكنية ؟

- من هدد الموانئ والملاحة الدولية ؟

- ومن يتحمل مسؤولية إطالة أمد المعاناة وتعطيل فرص السلام ؟

الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تقوم على الوقائع والوثائق والتسلسل الزمني ، لا على الانفعال.


أخطر ما يمكن أن يحدث في أي صراع هو فصل الأحداث عن سياقها ، بحيث تتحول النتائج إلى أسباب ، والضحية إلى متهم ، والمعتدي إلى طرف يدعي الدفاع عن نفسه.

لقد شكل استيلاء مليشيات الحوثي الارهابية على صنعاء وتوسعها العسكري محطة مفصلية في الأزمة اليمنية ، وأدى انهيار مؤسسات الدولة واتساع المواجهات إلى مرحلة جديدة من الصراع ، اكتسبت لاحقا أبعادا إقليمية ودولية.

لذلك فإن فهم الحاضر لا يمكن أن يكون مكتملا دون فهم كيفية الوصول إليه.

والإعلام الوطني لا يحتاج إلى اختراع رواية جديدة ، وإنما يحتاج إلى إعادة الحقيقة إلى مركز الرواية ، وربط الأحداث بأسبابها ونتائجها ، ومنح الجمهور أدوات الحكم على الوقائع بوعي ومسؤولية.


المواطن اليمني يجب أن يبقى في مركز التغطية ، فالمخا ومأرب وتعز والضالع وغيرها من المحافظات ليست مجرد مواقع على خرائط العمليات ، وإنما مدن ومجتمعات تضم منازل ومدارس وأسواقا ومرافق عامة.

وعندما تصل القذائف إلى حي سكني ، فإن القصة لا تنتهي عند حجم الأضرار المادية ، فخلف كل منزل متضرر أسرة فقدت شعورها بالأمان ، وخلف كل جريح حياة تغير مسارها ، وخلف كل ضحية مجتمع يتحمل خسارة جديدة.

ولهذا ينبغي أن تتجاوز التغطية الإعلامية أرقام الضحايا إلى توثيق الإنسان خلف الرقم ، مع الالتزام بالدقة والتحقق واحترام كرامة الضحايا.

فالتوثيق المهني لا يخدم الحاضر فقط ، بل يصنع ذاكرة وطنية قادرة على مواجهة محاولات طمس الوقائع.

الاقتصاد والموانئ .. قضية تتصل بحياة المواطن

لا يمكن التعامل مع استهداف الموانئ والمنشآت الاقتصادية باعتباره ملفا عسكريا منفصلا عن حياة اليمنيين.

فالميناء شريان للتجارة ، والمنشأة النفطية مورد اقتصادي ، وتعطيل حركة الموارد والتجارة ينعكس على الإيرادات والخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة.

ومن هنا يجب أن يشرح الإعلام العلاقة المباشرة بين الاستقرار الأمني والتعافي الاقتصادي ، وأن يبرز في الوقت نفسه الجهود الوطنية والإقليمية والدولية الرامية إلى دعم الاقتصاد والخدمات ومؤسسات الدولة.

الملاحة ... قضية تتجاوز حدود اليمن

يمثل البحر الأحمر وباب المندب أحد أبرز الأبعاد التي جعلت الأزمة اليمنية تتجاوز حدودها المحلية.

فحين تتعرض السفن التجارية للخطر، تمتد النتائج إلى سلامة البحارة وحركة التجارة وتكاليف الشحن والتأمين وأمن الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد.

لذلك يجب أن يوضح الإعلام الوطني أن أمن الملاحة مصلحة يمنية وإقليمية ودولية مشتركة ، وأن حماية الممرات البحرية جزء من حماية الاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة والعالم.
 

إن دعم السلام لا يتعارض مع كشف الانتهاكات ، بل يمثلان مسارين متكاملين.

فالسلام الذي يحمي اليمنيين ويصون مؤسسات الدولة ويضمن الأمن والاستقرار يجب أن يبقى هدفا ثابتا ، لكن جدية أي طرف في دعواته للسلام ينبغي أن تقاس بسلوكه على الأرض.

من يريد السلام عليه أن يلتزم بالتهدئة ويحترم المدنيين ويتجنب تهديد الملاحة ولا يستخدم الاقتصاد والموانئ وأدوات للصراع وينخرط بجدية في المسار السياسي.

وهنا يستطيع الإعلام الوطني أن يؤدي دورا متوازنا : دعم فرص السلام وكشف الممارسات التي تقوض شروطه في الوقت ذاته.


التحدي الأكبر أمام الإعلام الوطني هو الانتقال من إعلام ينتظر الحدث إلى إعلام يصنع أجندة النقاش.

تنتشر الرواية الحوثية الارهابية ، فيأتي الرد ، تنتشر معلومة مضللة تبدأ عملية التصحيح.

وفي البيئة الرقمية الحالية قد يكون لهذا التأخر أثر كبير في تشكيل الانطباع الأول.

المطلوب هو إعلام مبادر يمتلك قواعد بيانات موثقة ، وملفات جاهزة ، وتسلسلات زمنية للأحداث ، وشهادات موثوقة ، وتحقيقات اقتصادية وقانونية وإنسانية.

وعندما يقع الحدث ، لا يبدأ الإعلام الوطني من الصفر ، بل يمتلك السياق والوثائق التي تمكنه من تفسيره بسرعة ودقة.


قوة الإعلام لا تقاس بارتفاع الصوت أو حدة الخطاب ، وإنما بقدرته على تقديم معلومات يصعب دحضها.

الدقة والتوثيق والتمييز بين الخبر والرأي ونسبة المعلومات إلى مصادرها ليست تفاصيل تحريرية ، بل عناصر أساسية لبناء المصداقية.

فالإعلام الذي يبالغ في معلومة واحدة يمنح خصمه فرصة للتشكيك في الملف كله ، بينما الإعلام الذي يلتزم بالوقائع يبني مصداقية تتراكم مع الوقت.

وفي النهاية يحتاج اليمن إلى إعلام أكثر مبادرة وتحليلا وتوثيقا ، إعلام يدافع عن الدولة ومؤسساتها ، ويحمي المدنيين ، ويدعم السلام ، ويرفض تهديد الملاحة ، ويحترم التعدد السياسي والاجتماعي وتطلعات اليمنيين المشروعة.

فمن يترك للآخرين مهمة تفسير الحرب ، يترك لهم مساحة واسعة لتحديد معنى السلام.

أما الإعلام الذي يمتلك الحقيقة ويوثقها ويشرحها في الوقت المناسب ، فإنه لا يكتفي بتغطية الأحداث ، بل يسهم في حماية الوعي الوطني وتعزيز الاستقرار ودعم المسار السياسي وصناعة مستقبل أكثر أمنا لليمنيين.

مقالات الكاتب