خطاب يقود
القضايا الكبرى تحتاج خطابًا يقود في الأزمات، لا يهاجم، ولا يبرر، ولا يبكي على الماضي، يشخّص، ويحذّر، ويوجّه البوصلة: «كيف ننتصر؟»، وكيف نحول العداء إلى تحالف، أو على الأقل إلى حياد؟ فقضيتنا موجودة على الأرض، ولن تتجاوزها أي قوة؛ لأنها قضية متجذرة في سعة وعمق وإصرار شعب الجنوب. خطاب كهذا ينجح في الأزمات ويحمي مصالح الشعوب؛ ينتقد القرار و«يرفض هذا الإجراء»، ولا يقول: «هذه الدولة غدّارة»، لأن الدول لا تخرج من ثنائية مصالح/حروب، ومن تعاديه ويعاديك اليوم تحتاجه غدًا في مجلس الأمن، وفي البنك الدولي، وعلى الحدود، وفي ملف الإغاثة... إلخ.
قطاع جنوبي واسع يرى أنه من الضرورة إنقاذ القضية من فخ العاطفة، وأن السردية الصحيحة حين تكون أنت الطرف الأكثر حاجة، أن تقول: «لا مساومة على قضيتنا، لكن عدونا واحد، وأي خلاف بين الأشقاء يخدم العدو، لذا فصفنا واحد». وبهذا تترك نافذة للعودة؛ فالسياسة فن الممكن، والخطاب الذي يحرق الجسور اليوم سيبكي على رمادها غدًا.
الخطاب الحقيقي يحافظ، حتى في ذروة العداء، على: «باب الحوار مفتوح بشروطنا». انظروا لخطاب الحوثي؛ يكرر يوميًا القول: «لم نغلق باب الحوار، وهذه شروطنا لإيقاف التصعيد».
والسؤال ليس: «من غدر بمن؟» فهذا سؤال مشروع للتاريخ، لكنه ليس سؤال قيادة. فسؤال القيادة هو: كيف أحمي شعبي اليوم؟ وكيف أضمن غدًا نصرًا لقضيتي من ركام المأساة وعنفوان البطش؟
الإعلام أهم ركائز القيادة، فمن أكثر من 30 سنة ونحن نسوق خطاب: «بأن الشماليين غدروا بنا بعد الوحدة.. هل أبه العالم لهذا الخطاب؟... لا، لم يأبه له».
الخطاب الذي يبدأ بـ«أنتم فعلتم» ينتهي بعزلة، والخطاب الذي يبدأ بـ«مصلحتنا مشتركة رغم الخلاف» ينتهي باتفاق.
القضية الجنوبية لم تلغها حرب 94، ولن تلغيها غيرها، وهي أكبر من الأشخاص والحسابات والأمزجة. والاختلاف في الرأي والموقف ليس خيانة، والنقد ليس عداء، ولن يسقط اجتهاد أحد وطنية الآخر.
القضية تحتاج خطابًا هادئًا محسوبًا، يبذل قصارى جهده أن يجعل الخصم شريكًا بقدر ما يستطيع، أو يجعله محايدًا، ويضع مصلحة قضيته وناسه فوق كل الآلام. فالمعارك الوجودية لا تحسمها بيانات وتغريدات نارية، بل تُحسم بعقل بارد، يخطط، ويناور، ويرسم طريق الانتصار. فليس كل ما نرضاه نختاره؛ فأحيانًا نختار أخف الضررين.
