الشباب.. جيل ينتظر فرصته
في اليوم الدولي للشباب، نؤكد أن الشباب هم القوة التي يتحدد بها عمر الأوطان ومستقبلها؛ بما يملكونه من نقاء الفطرة، وسرعة التعلّم، وقوة العزم، وجرأة الإقدام، وصلابة الإرادة، ولعل في الدلالة اللغوية لكلمة "الشباب" ما يعبّر عن طبيعة هذه الطاقة؛ فيقال: "شبَّت النار" إذا اتقدت واشتعلت.
وهكذا هي طاقات الشباب؛ إذا أُحسن توجيهها واستثمارها كانت قوةً تصنع المستحيل، أمّا إذا تركت بلا توجيه ولا أفق يستوعب طموحاتها، فقد تتحول إلى لهبٍ مضطرب يضر بالشباب أنفسهم وبمجتمعاتهم وأوطانهم. ومن هنا، فإن مسؤولياتنا لا تكمن في احتواء طاقات الشباب فحسب، بل أيضًا في فتح الآفاق أمامها، وتحويلها إلى قوة بناء ونهضة.
من يفهم طبيعة الشباب يدرك أنهم لا يحتاجون إلى كثرة الوعظ والنصح بقدر حاجتهم إلى قيادة تدرك كيف تكتشف مواهبهم، وتمنحهم الغايةَ التي يؤمنون بها، والمساحةً التي يختبرون فيها قدراتهم، فالشباب الذين لا يجدون مشروعًا كبيرًا ينتمون إليه، سيبحثون غالبًا عن معارك صغيرة يبددون فيها طاقتهم، وقد يتحولون بسهولة إلى أداة في يد من يجيد استغلال اندفاعهم.
أثبتت التجارب أن بناء الدولة يبدأ من بناء شبابها؛ بتعليمهم وتدريبهم في مجالات الفكر والمعرفة والمهارات البدنية والمهنية، والمغزى الأهم من هذه التجارب أن وعي الشباب وقدراتهم يتشكلان بالتربية المنظمة، والتدريب المستمر، واشراكهم في العمل التطوعي، وإسناد المسؤوليات إليهم بما يجعلهم يشعرون بقيمتهم ومكانتهم في المجتمع.
هنا تتحدد مسؤولية الدولة في توفير التعليم الجيد، والتدريب الملائم، والفرص العادلة، وفتح مجالات العمل والمشاركة أمام الشباب، وربط قدراتهم باحتياجات الوطن وسوق العمل، وعليه فإنه يقع على عاتقنا كمسؤولين في الدولة أن نؤدي واجبنا تجاههم عبر وضع السياسات، وتنفيذ المشروعات التي تمنحهم مساحة حقيقية للتعلّم والإنتاج والابتكار وتحمل المسؤولية.
إن مستقبل بلادنا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالطريقة التي نعامل بها شبابنا اليوم؛ فالأمم التي تستثمر في عقول الشباب تصبح أقوى، بينما تدفع الأمم التي تهملهم ثمن ذلك ضعفاً واضطراباً، فالثروة الحقيقية ليست ما تختزنه الأرض من معادن وموارد، بل في ما تختزنه العقول من أفكار ومهارات وطموحات؛ لأن الثروات الطبيعية قد تنفد أو تُنهب، أما الإنسان الواعي فهو القادر على صناعة الثروة وتجديدها وحمايتها.
إن رعاية الشباب ليست مهمة وزارة أو مؤسسة منفردة، بقدر ما تكون مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة والمجتمع، وتتكامل عند الدولة بسياساتها ومؤسساتها، لكن الدولة هي التي يجب أن تقود بفعالية هذه الجهود وتوحدها، وتترجمها إلى برامج وفرص وسياسات، وكما نعلم فإن القيادة الحقيقية تُقاس بعدد القادة الذين تنجح في إعدادهم للمستقبل.
في المقابل، لا ينبغي للشباب انتظار من يصنع ويمهد لهم طريقهم كاملًا؛ فعليهم أن يدركوا أن وقتهم وطاقتهم أثمن ما يملكونه في مرحلتهم هذه، فالوقت الذي يُنفق في تعلّم مهارة، أو قراءة كتاب، أو إجراء تجربة، أو تطوير فكرة، يتحول مع الأيام إلى نفوذ وقدرة واستقلال، أما الوقت الذي يتبدد في الجدل الفارغ ومتابعة التفاصيل التافهة، فإنه يأخذ معه أجزاءاً مهمة من المستقبل.
إن مسؤولية الدولة في توفير البيئة والفرص لا تلغي مسؤولية الشباب في التعلّم والمبادرة والعمل، كما أن مطالبة الشباب بتحمل مسؤوليتهم لا تعفي الدولة من واجبها تجاههم، فبناء المستقبل شراكة متبادلة بين دولة تفتح الطريق، وشباب يدركون قيمة الفرصة ويحسنون استثمارها.
أخيرًا؛ نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن نحوّل طاقة الشباب إلى عملٍ وإنتاج وقيادة، فنفتح أمامهم أبواب المستقبل، ونبني بهم وطنًا قادرًا على صناعة قراره ومستقبله، وإمّا أن نترك هذه الطاقة فريسةً للإهمال والإحباط والتهميش، فليس للأوطان كنزٌ أعظم من شبابٍ واعٍ يدرك قيمته ودوره، ولا ثروة أثمن من عقولٍ تجد من يؤمن بها، ويمنحها الفرصة، ويفتح أمامها الطريق.
* وزير الشؤون الاجتماعية والعمل
