باب المندب وميون حكاية رجالٍ كتبوا السيادة بدمائهم

منبر عدن - خاص

باب المندب ما تحرر بتغريده على مواقع التواصل الاجتماعي، وجزيرة ميون ما عادت ببيان كتب على ورق، فالتاريخ لا تكتبه الكلمات وحدها، والسيادة لا تُستعاد بالشعارات، بل تُصنع بالتضحيات، وتُروى بدماء الرجال الذين اختاروا الوقوف في وجه الخطر، حين كان الطريق إلى النصر محفوفًا بالموت، وكانت الأرض تنادي أبناءها للدفاع عنها مهما كان الثمن
باب المندب لم يكن مجرد ممر مائي على خارطة العالم، وميون لم تكن مجرد جزيرة تتوسط البحر، بل هما عنوان للسيادة والكرامة، وموقعان يحملان من الأهمية الاستراتيجية والتاريخية ما يجعل الدفاع عنهما دفاع عن الأرض والهوية والمستقبل. ومن هنا، كانت التضحيات كبيرة، وكان الثمن موجعًا، وكانت حكاية الرجال الذين واجهوا المخاطر هناك أكبر من أن تختصرها الكلمات أو تختزنها البيانات.
اسألوا البحر ، واسألوا جبال كهبوب وذُباب، واسألوا صخور ميون التي شهدت مرور الرجال في أصعب المخاطر والظروف، وواجهت معهم قسوة المعارك ومرارة الفقد. اسألوا تلك الأرض من الذين مروا من هنا، وتركوا خلفهم حكايات لا تمحوها السنوات؟
سيشهد التاريخ وسيكتب أن رجال من أبناء الجنوب حملوا أرواحهم على أكتافهم، وتقدموا في لحظات الخطر بإرادة لا تعرف التراجع، واضعين أمام أعينهم هدف الدفاع عن أرضهم وصون كرامتهم. رجال عرفوا أن طريق الواجب ليس مفروش بالورود، وأن الأوطان لا تُحمى بالأمنيات، بل بالثبات والتضحية والإيمان بعدالة القضية التي يقاتل الإنسان من أجلها.

لكن خلف كل انتصار حكاية أم تنتظر، وبيت فقد ابنه، وأسرة ما زالت تعيش وجع الغياب.
نعم، لقد دفع الجنوب فاتورة باهظة، فاتورة لا يمكن أن تُقاس بالأرقام، ولا أن تُعوضها الكلمات مهما بلغت قوتها. دفع من خيرة شبابه، ومن رجاله وقادته، أولئك الذين غادروا بيوتهم وهم يحملون أحلامهم وآمال أسرهم، ثم عاد بعضهم في ذاكرة الوطن شهداء، وبقيت أسماؤهم محفورة في وجدان من عرفوهم وعاشوا معهم.
وحتى اليوم، ما زالت أمهات الشهداء يبكين أبناءهن، وما زالت ذكرياتهم حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، في المقاعد التي خلت منهم، وفي الأبواب التي لم يعودوا يطرقونها، وفي الدعوات التي ترفعها الأمهات إلى السماء بأن يتغمد الله أبناءهن بواسع رحمته.
هؤلاء ليسوا مجرد أسماء تُذكر في المناسبات، ولا أرقام تُحصى في سجلات المعارك؛ إنهم رجال دفعوا من أعمارهم وأرواحهم ثمن غالي، وتركوا لأهلهم ورفاقهم أمانة الوفاء، وللوطن مسؤولية صون التضحيات وعدم التفريط في الحقوق والسيادة.
إن الوفاء للشهداء لا يكون برفع الشعارات وحدها، ولا باستحضار بطولاتهم في الخطب والمناسبات فحسب، بل يكون بحفظ كرامة أسرهم، ورعاية جرحاهم، والاهتمام بأبناء من رحلوا، وصون الأهداف التي ضحوا من أجلها، والعمل على ألا تذهب دماؤهم وتضحياتهم هدر.
لقد أثبتت التجارب أن المواقع الاستراتيجية لا تكتسب قيمتها الحقيقية من موقعها الجغرافي وحده، بل من قدرة أبنائها على حمايتها، ومن وعيهم بأن السيادة مسؤولية مستمرة، وأن الحفاظ على الأرض يحتاج إلى وحدة الصف، والجاهزية، والحكمة، والإرادة السياسية التي تجعل مصالح الناس وكرامتهم فوق كل اعتبار.
واليوم، حين نتحدث عن باب المندب وميون، فإننا لا نتحدث عن جغرافيا صامتة، بل عن ذاكرة حية، وعن رجال تركوا بصماتهم في مسيرة الدفاع عن الجنوب، وعن أسر تستحق أن تجد في المجتمع وفاء يليق بحجم ما قدمه أبناؤها.
باب المندب ليس تغريدة عابرة، وميون ليست بيان يُكتب ثم يُنسى؛ إنهما مسؤولية وطنية وتاريخ من التضحيات لا يجوز التعامل معه باستخفاف.
ومن أراد أن يفهم معنى التمسك بالأرض، فليقرأ حكايات المقاتلين الذين واجهوا المخاطر، وليتأمل وجوه أمهات الشهداء، وليدرك أن خلف كل موقف تاريخي رجال دفعوا أثمان لا يعرف قسوتها إلا من عاش الفقد وانتظر عودة من لم يعد.
اليوم لم تكون تضحيات الشهداء مجرد ذكرى عابرة، ولن يكون الوفاء لهم كلام
للاستهلاك الإعلامي. فالأرض التي دافع عنها أبناؤها تستحق أن تُصان، والحقوق التي ناضلوا من أجلها تستحق أن تُحترم، وأسر الشهداء تستحق أن تعيش بكرامة توازي عظمة ما قدمه أبناؤها.
سنظل نتذكرهم ونروي حكاياتهم للأجيال القادمة، ونؤكد أن الحب والولاء لا يُقاس بعلو الصوت، بل بصدق الموقف، وحجم التضحية والقدرة على حماية الإنسان والأرض وصون الكرامة.
رحم الله شهداءنا الأبرار وأسكنهم فسيح جناته، وجبر قلوب أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم، وشفى الجرحى، وحفظ كل من يحمل مسؤولية الدفاع عن الأرض والإنسان.

سلامٌ على الرجال الذين مروا من هنا، وسلامٌ على أرواحٍ بذلت الغالي والنفيس، وسلام على كل أمٍّ صابرة ما زالت ترفع يديها بالدعاء لابنٍ غاب جسده وبقي اسمه حيًّا في ذاكرة الوطن.

ستبقى تضحيات الشهداء أمانة في أعناق الأحياء، وسيبقى الوفاء لهم عهدً لا تسقطه الأيام ولا تمحوه السنوات.