"أكرم باعوضة.... فارس القصيدة الجنوبية الثائرة"

منبر عدن - خاص

توقفت عند قصيدة ثورية جديدة فُصحى لشاعر الثورة الجنوبية/ "أكرم عبدربه باعوضة"، الذي عرفناه شاعراً شعبياً ضاربة جذور انتمائه أعماق القضية الجنوبية، التي قُدّر لها أن تولد ثائرة، وتشبّ ثائرة، لتعلّم الدنيا كلها معاني: الثورة، والنظال، والاصرار، والصبر، والايمان بالأحلام الكبيرة، والغايات السامية..

وقد دفعتني هذه القصيدة الجديدة لكتابة مقال عنه، وأرجوا أن أكون موفقاً فيه، وقادراً على كتابة هذه البطاقة التعريفية كما يجب عن الشاعر الذي يستحقّ كل الاهتمام والتقدير والاحتفاء.

إنه ابن "الغييلة"، "ولماطر"، "وعزان"، "وشبوة"، "وابن الجنوب.. كل الجنوب". الشاعر الذي تشبعّت عروقه منذ صغره بعمق الانتماء للأرض، وللقضية العادلة، وبحب، وإجلال جغرافيا الوطن.. الوطن الغالي المُمتدّ - رغم خِسّة المؤامرات وعُمق الجراحات - ثورةً، وعنفواناً، وهيبةً، وكبرياء من باب المندب إلى المهرة..

"أكرم باعوضة" من الشعراء الذين لا يكتبون القصيدة بل يكتبون الموقف المشرّف، فليس كل قافية تولد لتُطرب الأذن، ثمَّة قوافٍ خُلقت لتوقظ الذاكرة، لتصدح "كفى" في وجه الباطل والظلم، لتشدّ العزم، ولتقول للناس: إن الكلمة ظهراً تسنتد إليه الأمم حين تطول المعاناة ويتمادى الأسى..

دخل باعوضة ساحة الشعر بشموخ وسطوة الكبار، وهو يحمل همّ مظلومية قضية آمن بها، فجعل من القصيدة منبراً صادحاً، ومترساً، ودرعاً وبندقية.
وكان - منذ بداياته - ولا يزال واضحا كالنهار، ولا يهادن في ما يؤمن به. وكانت قصائده ولا تزال تخرج ساخنة ملتهبة وصاخبة، كأنها مولودة من قلب المعركة، لا تعرف هدوء المكتبات والمسارح، والأماكن الآمنة ذات الرفاهية. كانت ولا تزال تضجّ بعنفوان الشباب، وصدق الانتماء، ورسوخ القضية، حتى ليخيّل للسامع أن كلماته وقوافيه تُقرع كما تُقرع طبول الحرب بحماس ومهابة..

برز اسمه أكثر في سجالات الردود الشعرية الشعبية المُفحمة ضدّ شعراء الغُزاة والمُحتلّين، وقد تفرَّد في هذا الجانب، الذي يُحسن فيه شاعرنا الوقوف في وجه كل قصيدة تنتقص من كرامة الجنوب وقضيته العادلة، أو تقلٌل من أحلام شعبه التواق للتحرُّر والانعتاق.. وكثيراً ما سمعناه يردّ بقصائد متماسكة تتخذ "النار والرصاص" قوافياً وأوزاناً لا ترحم..
لم تكن ردود باعوضة مجرد انتصارات محسومة في مساجلات شعرية، بل كانت دفاعاً عن ذاكرة، وعن هوية، وعن إنسان يرى في أرضه أكثر من مجرد جغرافيا..

إن السامع لسجالاته المدويّة يُجبر على تخيّل شاعرنا - لحظة إلقاءه - كأنه يقود كتيبة كاملة، عُدّتها وعتادها الأحرف والكلمات. يصطفّ البيت وراء البيت كما تصطفّ الصفوف، وتتعانق القوافي كما تتعانق الأكتاف في ساعة الشدة.. وإذا كان لكل معركة رجالها، فإن للكلمة أيضاً رجالها، وهذا الشاعر واحد ممن آمنوا أن المعنويات تُبنى بالكلمات قبل أي شيء آخر، وأن القصيدة قد تمنح الإنسان ثباتاً وزهوّاً لا تمنحه انتصارات المعارك الميدانية.

ولعل أجمل ما يميِّزه أنه لم يجعل الشعر الشعبي مجرد وسيلة للترفيه أو المفاخرة، بل حافظ على روحه الأصيلة؛ قريباً من الناس، يتحدث بلغتهم، ويستعير صورهم، ويعرف كيف يحول تفاصيل حياتهم إلى أبيات يرددونها بفخر. لذلك وصلت قصائده إلى المجالس، والميادين، والهواتف، وحفظها الناس لأنها خرجت من وجدانهم قبل أن تصل إلى آذانهم..

في قصائد "أكرم باعوضة" لا تشعر بأنك تستمع إلى شاعر يصف المشهد من بعيد، بل إلى رجل يقف بداخل المشهد ذاته، يرى ما يرى الناس، ويحمل ما يحملون. ولهذا تبدو كلماته صادقة، خالية من التكلُّف، مُشبعة بحرارة الإيمان بما يقول، وهي حرارة لا يمكن صناعتها، لأنها لا تأتي إلا من قلب تشبّع وامتلأ وفاض بحب قضيته العادلة.

إنها تجربة شاعر فذّ لم يكتفِ بأن يكون شاعراً، بل اختار أن يكون شاهداً على زمنه، وصوتاً لجيله، ولساناً يعبر عمّا يختلج في صدور أبناء شعبه المُصرّين على المضيّ قُدُماً بثبات وصبر وأمل نحو مواعيد الخَلَاص.

*بقلم/ علي صالح باعوضة