نبش الماضي والرهان على الخارج لا يعيد دولة ولا يبني وطنًا
إن بعضًا قد توقّف عقله عند مسمى نهاية ستينيات القرن الماضي، اتحاد الجنوب العربي، الذي كانت بريطانيا قد أنشأته عشية استعدادها للخروج من عدن، وألّفته من سلطنات وإمارات ومشيخات ما كانت تُسمى بالمحميات الغربية، دون الشرقية، كسلطنتي الكثيري والقعيطي في حضرموت، والمناطق الشرقية الأخرى.
ولا يزال هذا البعض مسكونًا بهذا المسمى، ويريد استحضاره في واقع اليوم وفي خطابه، مع علمه أن "ماء النهر لا يتكرر مرتين، وحركة التاريخ لا تعود إلى الوراء"، وأن ذلك لا يسيء إلا إلى نضالات وتضحيات شعب الجنوب، ومنجزاته الوطنية والتاريخية، وثورة 14 أكتوبر 1963م المجيدة، واستقلاله الوطني في 30 نوفمبر 1967م، ودولته الوطنية على كامل التراب الوطني الجنوبي، الواحدة الموحّدة، من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، بعد ليلٍ من التجزئة والتفكيك إلى كيانات قام على بعضها اتحاد الجنوب العربي.
ولكل ذلك، يكون من نافلة القول: أي شعب هذا الذي يُراد له أن يكون قد ظلّ بلا هوية، ولا تاريخ، ولا ثورة، ولا دولة، على مدى ستين عامًا (1967–2026م)، حتى اليوم يتم البحث له عن هوية ودولة بمسمى ماضوي، لا بمسماها وبمركزها القانوني الدولي والإقليمي، ومقعدها وتمثيلها الدبلوماسي، وحدودها الدولية السياسية والجغرافية المتعارف عليها دوليًا حتى 22 مايو 1990م؟
ناهيك عن كون المسكونين بنبش الماضي ربما يرومون، من خلال ذلك، إدانة تاريخ الثورة والاستقلال وبناء الدولة الوطنية المهابة، بتجربتها الفريدة المشهود لها، وكأن ذلك كان خطيئة.
وعلى صعيدٍ متصل بنبش الماضي، هناك من يريد نبش ماضي المنعطفات التي مرّت بها التجربة في أعوام 1969م و1978م و1986م، وهو ما يتم بخبث سياسي، ويتلقفه آخرون ويروجون له عن ظهر قلب، من خلال تكرار الحديث عن المثلث الشرقي، والمقصود به أبين وشبوة، والمثلث الغربي، والمقصود به ردفان ويافع والضالع، في استحضار مقيت للماضي.
وذلك ضدًا على التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي، الذي انطلق من جمعية ردفان يوم 13 يناير 2006م، وقيمه الإنسانية النبيلة، وثقافته الحضارية، والذي طالما ظل مجرد خطاب دون تجسيد في الممارسة والسلوك، وفي الواقع العملي الملموس.
إن نبش الماضي والرهان على الخارج لا يعيد دولة، ولا يبني وطنًا، ولا يحقق استقرارًا للشعب وحقه في الحياة الحرة والعيش الكريم، بل يزيد المشهد تعقيدًا، ويرسخ التشظي والتجزئة. فالوطن لا يحتاج إلى ولاءات خارجية، بل يحتاج إلى وحدة أبنائه، فبهم سينتصر.
من هنا، ولأسباب سنذكرها تاليًا، فضلًا عن أسباب خارجية ومآربها، يمكن فهم انتشار المكونات ومشاريع الهويات الصغيرة على حساب الهوية الجامعة، بحثًا عن الذات المحلية.
إن مشاورات الرياض، على طريق الحوار الجنوبي–الجنوبي، وعلى أهمية الحوار بشكل عام كقيمة إنسانية وحضارية، قد جاءت – في ضوء ما أسلفنا ذكره – تعبيرًا، ولا ريب، عن البحث عن تأمين الذات المحلية. وإلا فلماذا الحوار البيني، طالما كان الجنوب وطن كل أبنائه، وفي مصلحته مصلحتهم؟ ولماذا لا يكون الحوار جنوبيًا–شماليًا، وهو المفترض؟ غير أن ما يجري، بعكس ذلك، يأتي – ولا ريب – لأسباب، منها:
- غياب المشروع أو الرؤية الوطنية الجامعة، التي تحدد مهام الحاضر وكيفية إنجازها، ومهام المستقبل، وشكل الدولة، وسيادتها، وقرارها الوطني المستقل، ووظائفها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسياستها الخارجية، ومكانة المرأة، وضمان الحقوق والحريات العامة والخاصة، وإرسال رسائل طمأنة للمجتمعات المحلية حول مكانها وحقها في إدارة ذاتها وشؤونها بأبنائها، بعيدًا عن أي هيمنة.
- غياب تفعيل قيم وثقافة التصالح والتسامح، وتجسيدها في الممارسة والسلوك، وفي الواقع العملي الملموس.
- غياب وحدة الصف، واصطفاف وطني فاعل، ومؤشرات شراكة ندية ومتوازنة، بعيدًا عن الإقصاء والتهميش، وتأليف جبهة وطنية من كل ألوان الطيف الجغرافي والمجتمعي والمدني والسياسي، وفي مقدمتهم المجلس الانتقالي، كحامل للمشروع الجنوبي الجامع حتى إنجاز مهامه، وحل قضية شعب الجنوب، واستعادة دولته.
