محل السلام لبيع الأسلحة
قبل ما يقارب ربع قرن ، كتب أستاذنا مبارك الخليفة عن محل يحمل اسم ( السلام ) لبيع السلاح ، وتوقف عند المفارقة بسؤال ساخر وبلهجته السودانية الجميلة : أي سلام ينشده هذا التاجر ؟
كان السؤال يومها يبدو كأنه نكتة صحفية ذكية ، لكنه اليوم يبدو أقرب إلى سؤال تاريخي لم يجد اليمن جوابا عنه حتى الآن ، فبعد نحو خمسة وعشرين عاما ، ما زال السلام يباع على شكل قنابل ورصاص وآر بي جي في محلات بيع السلاح وسط المدن وعاصمة البلاد ، وما زالت البنادق معلقة على الجدران وكأنها لوحات فنية ، و المواطن يستطيع أن يرى أمامه من أدوات الموت ما يكفي لإقناعه بأن السلام في اليمن سلعة غالية وباهضة الثمن ومستحيلة المنال ، بينما السلاح متوفر على الرفوف والموت والقتل أسهل من أي إجراء يساهم في الأمنوالحياة .
والأغرب من ذلك أن بين أسماء محلات بيع السلاح ما يحمل اسم ( اليمن الجديد ) .
وهنا يحق لنا أن نسأل ، لا من باب التشاؤم وإنما من باب السخرية التي تكشف الحقيقة : أي يمن جديد يحلمون به هؤلاء ؟ يمن جديد بهذه الجدران التي تتزين بالبندقية ؟ يمن جديد تتكاثر فيه الأسلحة أكثر مما تتكاثر الأقلام ؟ يمن جديد يستطيع فيه المواطن أن يجد السلاح بسهولة ، بينما قد يبحث طويلا عن كتاب أو وظيفة أو مستشفى أو مدرسة جيدة ؟
ربما صاحب المحل يقصد اليمن الجديد فعلا ، لكن يبدو أن تعريفه لليمن الجديد مختلف عن تعريفنا نحن ، كان اليمنيون يتخيلون يمنا جديدا فيه كهرباء مستقرة ، وماء ، وطرقات ، وجامعات ، ومصانع ، وفرص عمل ، وقضاء يحكم بالقانون ، أما هو ، فيبدو أنه يقول لنا : لا تشغلوا أنفسكم كثيرا بالمستقبل ، خذوا بندقية أولا ، وبعدها لكل حادث حديث! .
وهنا تتدخل الحكمة الشعبية اليمنية لتقول : ما يضحك إلا من شرّه ، لأن المشهد في الحقيقة مضحك ومبكي . فالجدران مليئة بما يكفي من السلاح ، بينما البلاد نفسها تبحث عن أبسط شروط الحياة ، وكأننا انتقلنا من اقتصاد العرض والطلب إلى اقتصاد الخوف والاحتياط ، و كلما رأى المواطن بندقية عند جاره قال : وأنا لماذا ما معي؟ ، فيشتري واحدة ، ثم يرى الجار الثانية فيشتري الثانية ، حتى يصبح الجميع مسلحين والجميع خائفين من الجميع .
وهكذا يتحول السلاح من وسيلة للحماية إلى قطعة للتباهي والشياكة ومصنع لإنتاج الخوف ، والطريف أن أسماء المحلات أحيانا تبدو وكأنها جزء من حملة علاقات عامة للسلام ، محل السلام يبيع السلاح ، ومحل اليمن الجديد يعرض البنادق ، وربما ننتظر غدا افتتاح محل باسم الوحدة اليمنية كمحل متخصص في الذخيرة ، أو المستقبل المشرق لبيع الرشاشات ، أو واحة الأمان لبيع ما يكفي لجعل الجيران لا ينامون !
وقد يقول صاحب المحل : يا أخي أنا تاجر ، أبيع ما يطلبه السوق ، وهذه حجة لها وجاهتها التجارية ، لكن السؤال الأوسع هو : لماذا أصبح السوق يطلب كل هذا السلاح ؟ ومن الذي جعل البندقية حاجة اجتماعية ؟ ومن الذي أقنع المواطن أن أمنه الشخصي لا يتحقق بالقانون والشرطة والقضاء ، وإنما بما يستطيع أن يعلقه على كتفه؟
في اليمن ، أحيانا لا يحتاج السلاح إلى إعلان تجاري ، يكفي أن تنتشر شائعة حول سلاح ما أو شيخا قبليا لبس هذا النوع من السلاح حتى تتحول الشائعة إلى مندوب مبيعات يفوز بالصفقات .
يقول لك واحد : سمعت أن الجماعة الفلانية مسلحة؟ فيرد الآخر: معقول؟ أجل لازم نشوف لنا بندقية ، وبعد ساعات يصبح الخبر مشروعا تجاريا ناجحا ، ويكون تاجر السلاح هو المستفيد الوحيد من الخوف .
وهنا نتذكر المثل الشعبي : من خاف سلم ، لكن يبدو أننا في اليمن طورنا المثل إلى نسخة تجارية جديدة : من خاف اشترى سلاحا ، ثم يخاف الآخر من سلاحه ، فيشتري سلاحا ، ثم يخاف الثالث من الاثنين ، وهكذا حتى يصبح المجتمع كله مسلحا ، ولا أحد يشعر بالأمان .
والسؤال الذي تفرضه هذه الصور ليس عن عدد البنادق الموجودة في المحل ، ولا عن أنواعها ولا عن أسعارها . السؤال الحقيقي : كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها عرض السلاح في واجهة محل أمرا عاديا في عواصم المدن اليمنية وهوية بارزة لليمن وأهله ؟
قبل سنوات كان يمكن أن تكون واجهة المحل مليئة بالكتب أو الملابس أو الأدوات المنزلية . أما اليوم ، فبركة الحوثيين تجد صفوفا من البنادق معلقة بعناية ، وكأن صاحب المحل يقول للزبون : اختر براحتك ، عندنا موديلات تناسب جميع الأذواق .
ولو استمر الحال بهذا المنطق ، فقد يأتي يوم تدخل فيه إلى محل وتقول للبائع : معك كتاب أو قصة قصيرة ؟ ، فيرد عليك : لا ، لكن عندنا بندقية ممتازة أمريكية أو روسية ، وإذا أخذت اثنتين نعطيك الثالثة بسعر خاص! .
وهنا تصبح الكوميديا وسيلة للبكاء لا للضحك .
لأن الطفل الذي يحمل حقيبة مدرسية لا يشكل خطرا على أحد ، بينما الطفل الذي ينشأ في بيئة يرى فيها السلاح جزءا من الحياة اليومية يتعلم مبكرا أن القوة هي الطريق الأقصر لحل الخلاف ، وهذه أخطر من البندقية نفسها ، لأن المشكلة ليست في الحديد المعلق على الجدار ، وإنما في الثقافة التي تجعل وجوده طبيعيا .
وقد يقول قائل : اليمن بلد قبلي ، والسلاح جزء من التراث ، نعم ، لكن التراث شيء والحرب شيء آخر ، والبندقية التي كانت في زمن ما رمزا للفروسية أو حماية القبيلة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الدولة والقانون .
فاليمني الذي يفتخر بالجنبية ، وبالكرم ، وبالشجاعة ، وبحماية الضيف ، وبإغاثة الملهوف ، لا يحتاج إلى أن يثبت رجولته بعدد البنادق المعلقة في بيته .
بل إن الشجاعة الحقيقية قد تكون في أن تقول : لن أحمل بندقية ولن أتباهى بسلاح سواء في الجبهات أو الأسواق أو في الأفراح ، ولن أطلق النار أبدا في مواجهة أحد أو جهلا وحماقة في الأعراس .
الشجاعة أن تستطيع أن تنتصر في الخصومة دون أن تقتل خصمك ، وأن تستطيع أن تحمي بيتك دون أن تجعل بيت جارك يخاف منك ، وأن تستطيع أن تختلف سياسيا دون أن يتحول الخلاف إلى بندقية ، وأن تعبر عن رأيك بكل حرية .
ولعل أكثر ما يثير السخرية في المشهد أن بعض المشاريع التي يفترض أن تبني اليمن الجديد تبدأ من السياسة وتنتهي بالسلاح ، بينما اليمن الجديد الحقيقي يفترض أن يبدأ من الإنسان : من المدرسة ، من المستشفى ، من الجامعة ، من المصنع، من القضاء ، ومن شارع يستطيع فيه الطفل أن يلعب دون أن يسمع صوت الرصاص .
ولهذا تعود بنا عبارة أستاذنا مبارك الخليفة بعد كل هذه السنوات : أي سلام ينشده هذا التاجر ؟.
واليوم يمكن أن نضيف إليها سؤالا آخر أمام صور هذه المحلات : وأي يمن جديد يحلمون به ؟.
هل اليمن الجديد هو الذي تتكدس فيه البنادق على الجدران ؟ أم يمن جديد تتكدس فيه الكتب في المكتبات ؟
هل اليمن الجديد هو الذي يصبح فيه تاجر السلاح صاحب الكلمة الأقوى ؟ أم يمن جديد يصبح فيه المعلم والطبيب والمهندس وصاحب المصنع هم أصحاب التأثير ؟
لا يحتاج اليمنيون إلى يمن جديد بالاسم فقط ، بينما القديم والجديد يتفقان على شيء واحد : المزيد من السلاح .
يحتاج الناس وطنا يكون فيه الأمن وظيفة الدولة ، لا وظيفة البندقية .
ونحتاج سلاما لا يباع خلف واجهة محل ، ولا يأتي معه مخزن ذخيرة ، ولا يحتاج إلى حامل سلاح حتى يثبت وجوده .
أما محل السلام الذي يبيع الأسلحة ، و اليمن الجديد الذي تزين واجهته البنادق ، فهما مفارقتان تختصران قصة بلد كامل : أسماء جميلة على أبواب واقع مؤلم .
وكما يقول اليمني ببساطته الساخرة : يا خبرة ، ما قد شفتو السلام إلا ومعه بندق !
ولعل أجمل يمن جديد يمكن أن يحلم به اليمنيون هو ذلك الذي يأتي فيه الطفل إلى المدرسة بحقيبته ، ويعود منها بكتابه ، ويذهب الشاب إلى عمله ، ويعود الأب إلى بيته ، وتبقى البندقية في المتحف شاهدة على زمن مضى ، لا معلقة على جدار متجر تنتظر زبونا جديدا .
عندها فقط نستطيع أن نقول إننا فهمنا أخيرا سؤال مبارك الخليفة القديم : أي سلام نريده ؟
والجواب ببساطة : السلام لا يبيع السلاح .

