قصف مطار كييف:وقصف مطار عدن ومعاشيق

منبر عدن - خاص

في كل حروب العالم حتى الأكثر دموية وقذارة كانت هناك شعرة معاوية تحتكم إليها البنادق وحد أدنى من أخلاقيات الاشتباك تفرضه بقايا مروءة أو حسابات سياسية... بوسعك أت تفهم كيف تفكر الجيوش النظامية بل وحتى حركات التمرد في العالم, لكن أن تفهم كيف يفكر 'خفاش' هذا العصر في كهوف مران فهذه مهمة مستحيلة, لأنك ببساطة لا تقف أمام فضيل سياسي ولا عسكري, بل تقف أمام بلطجي طارئ وجد نفسه فجأة يمتلك ترسانة صواريخ استراتيجية

وبعيداً عن الكلام الكثير وبلغة العقل والمقارنات....طوال أكثر من عقد من الدم في سوريا كان مطار دمشق الدولي يغص بخبراء الحرس الثوري الإيراني ومليشيات حزب الله وكانت شحنات الأسلحة تتدفق عبر مدرجاته نهارا جهارا لدعم نظام الأسد....في المقابل كانت فصائل المعارضة السورية المسلحة تمتلك من العتاد والمدفعية ما يكفي لمسح المطار من الخارطة.... هل فعلوها؟ لا....لماذا؟ لأن ثمة وعيا حتى في ذروة الحرب بأن هذا المطار هو سيادة بلد وبنية تحتية تخص الشعب السوري, وليست منصة لتسجيل النقاط السياسية عبر تدمير مقدرات الأمة....لنذهب أبعد من ذلك ولنتحدث عن تنظيم دا.عـ.ش الذي بلغ من الإجرام والتوحش مبلغا عظيما لم يسبقه إليه أحد في العصر الحديث....سيطر التنظيم على مساحات شاسعة من العراق وسوريا وامتلك ترسانة ضخمة ومقاتلين انتحاريين لكن هل سمعتم يوما أنه وجه صواريخه لضرب مطار بغداد الدولي وهو يعج بالمسافرين المدنيين؟ لم يفعل....حتى أشد التنظيمات الإرهابية دموية وانفلاتا تدرك أن المطارات المدنية المكتظة ليست أهدافا,

تأملوا حتى صراعات القارة السمراء....حركات التمرد في أفريقيا التي خاضت حروبا أهلية طاحنة كانت تعزف عن استهداف المقرات الرئاسية أو الحكومية في العواصم طالما كانت تقع في مساحات مدنية سكانية....المتمرد الأفريقي الذي يحمل بندقيته من الغابة كان يلغي أي هدف عسكري أو سياسي يقع وسط حي سكني حفاظا على أرواح المدنيين من الأطفال والنساء وكبار السن....كانت تحكمهم بقايا فطرة بشرية ترفض الإبادة وتدرك معنى الكارثة

خذوا الفضيحة الأكبر اليوم....الدب الروسي القوة النووية العظمى التي تخوض حرب كسر عظم وجودية مع حلف الناتو بأكمله في أوكرانيا...هل أمر بوتين بقصف مطار كييف المدني بصواريخ استراتيجية؟ هل مسح المقر الرئاسي الأوكراني في قلب العاصمة كييف رغم قدرته على ذلك بضغطة زر؟ لم يفعل... حتى روسيا تحافظ على سقف أدنى يفرق بين حرب الدول وإرهاب العصابات...ماذا يفعل صبية الحوثي عندنا؟ يوجهون صواريخهم الباليستية والطائرات المسيرة نحو مطار عدن الدولي والمنشآت المدنية في استعراض أهوج ينم عن حماقة مطلقة....ومساء يومنا هذا السادس عشر من أكتوبر تجلت هذه البلطجة والوقاحة في أبشع صورها, حين سقط صاروخهم الفرط صوتي في مدرج مطار عدن على بعد 300 متر فقط من طائرة مدنية كانت ممتلئة بالمسافرين....ثلاثمائة متر فقط كانت تفصلنا عن مجزرة مؤلمة وكارثة إنسانية تدمي القلوب لولا رعاية الله ولطفه بهؤلاء الأبرياء... وليست هذه فقط بل سابقا تم استهداف الحكومة المعترف بها دوليا فور وصول الوزراء إلى مدرج المطار واستشهد عدد كبير من المدنيين والجرحى بالعشرات...هذا ليس تكتيكا عسكريا يجلب الانتصار, بل هو جنون مجاني لا تمارسه إلا مليشيا تفتقر لأي انتماء وطني وتدرك في قرارة نفسها أنها مجرد لص عابر لا يملك في هذه الأرض شيئا ليخاف عليه...وبذات الخفة والاستعباط يوجهون السلاح الفرط صوتي الذي يرعب جيوش العالم لاستهداف قصر معاشيق...هل يعي هؤلاء المعتوهون ماذا يعني سقوط صاروخ بهذا الحجم التدميري في منطقة مثل كريتر؟ والمصيبة لم يكن مجرد صاروخ واحد بل بضعة صواريخ ...أنا لا أتحدث عن ثكنة عسكرية معزولة في صحراء الربع الخالي بل عن أقدم وأعرق أحياء عدن,بقعة جغرافية مكتظة بمئات الآلاف من المدنيين البسطاء بيوتها متلاصقة وشوارعها تضج بالحياة
هل يستعطبون؟

إن المنحط في رأيي هو من يصفق لصاروخ أعمى يسقط قرب طائرة ركاب مدنية أو فوق أحياء مكتظة ويعتبره نصرا إلهيا....المنحط هو من يرى أطفالا ونساء في صالة مطار يواجهون الموت,ثم يخرج ليحدثك بصفاقة عن السيادة وكسر الحصار' إن الهدف الحقيقي من وراء هذه العمليات الجبانة ليس تحقيق مكسب عسكري قطعا, بل هو إقلاق السكينة والطمأنينة العامة وإرهاب المدنيين وترويع الآمنين في بيوتهم وشل حركة الحياة في مدينة ترفض الخنوع.....أن تطلق سلاحا استراتيجيا نحو مدرج مطار مدني وحي سكني ككريتر, فهذا شروع في إبادة جماعية مع سبق الإصرار والترصد, وإعلان صريح بأن هذه الجماعة لا تمانع في طحن عدن بمن فيها وتحويل المسافرين والأهالي إلى مجرد أضرار جانبية, طالما والخبر العاجل سيبث على شاشة المسيرة ليطرب مموليهم في طهران....ان
استهداف المطارات وضرب المنشآت النفطية وترويع الأحياء السكنية بصواريخ لا تستخدم إلا في الحروب العالمية يؤكد حقيقة واحدة أثبتتها الأيام, وهي أن هذه المليشيا تقاتل بمتلازمة الحقد المريض على كل ما يمت للدولة بصلة....هم لا يقاتلون خصومهم بشرف العسكريين بل يقاتلون الحياة ذاتها بعقلية قطاع الطرق....من يعتقد أن إمطار المدن والمطارات المدنية بصواريخ الخردة الإيرانية سيصنع منه رجل دولة أو يفرض شروطه المأزومة أو واقع يكون بشروطه فهو يحتاج إلى فحص قواه العقلية....التاريخ يا هؤلاء لا بسجل أسماء قتلة المدنيين في صفحات الفاتحين بل يحفظها جيدا في كشوفات الجنايات, وعدن مهما استباحتها نيرانكم الغادرة أصلب من أن تركع لصاروخ أعمى وأكبر من أن تخضع لعصابة لا تجيد سوى صناعة المآتم

مقالات الكاتب