العقيدة القتالية للجنوبيين
العقيدة القتالية للجنوبيين من مدرسة "المبادرة الهجومية" إلى الحسم الميداني
تُشكل العقيدة العسكرية الجوهر الحقيقي لأي قوة مسلحة في العالم ، فهي ليست مجرد خطط تكتيكية تُطبق في ميدان المعركة ، بل هي المنظومة الفكرية والتنظيمية التي تحدد هوية الجيش وطبيعة تدريبه ونوعية تسليحه ، والأهم من ذلك كيف ومتى يقاتل .
وتتنوع هذه العقائد حول العالم بين مدارس دفاعية تكتفي بحماية الحدود والعمق الاستراتيجي ، ومدارس هجومية ترتكز على نقل المعركة إلى أرض الخصم والمبادرة السريعة وإسقاط القوة خارج حدودها الجغرافية عند التهديد .
بُني جيش اليمن الديمقراطي الشعبي ( جنوب اليمن ) على عقيدة قتالية صلبة ومحترفة تميل بطبيعتها إلى الهجوم والمبادرة ، ولم تكن عقيدته دفاعية تقيدية في أي مرحلة من تاريخه .
وقد انعكس ذلك الالتزام العسكري في انضباطه الصارم ومشاركته المباشرة وغير المباشرة في مسارح عمليات إقليمية ودولية متعددة منها :
المواجهات الإقليمية : خوض حروب ومناوشات عسكرية على جبهات متعددة لحماية حدوده وسيادته .
المهام الخارجية العابرة للحدود :
* انخراط القوات الجنوبية في صراعات كبرى خارج القارة الآسيوية ودعماً للقضايا العربية والإقليمية مثل :
# مشاركة القتالية في حرب تشاد .
# الانخراط في الصراع الإثيوبي-الصومالي .
# وقوف إلى جانب الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير في بيروت عام 1982 لمواجهة الغزو الإسرائيلي .
وعلى النقيض من ذلك ، اتسمت عقيدة جيش اليمن الشمالي بطابعها الدفاعي والاستعراضي ، حيث سعت القيادات السياسية والعسكرية حينها لإرسال ألوية من جيش اليمن الشمالي إلى جمهورية العراق لرفع الكفاءة والمهارات القتالية ، إلا أن تلك المحاولات تصادمت مع هشاشة البنية التنظيمية وافتقارها للعقيدة الهجومية المتماسكة .
عند قراءة الخريطة العسكرية الدولية ، نجد أن معظم جيوش العالم—مثل اليابان والدول الإسكندنافية ، وغالبية الدول الأوروبية والخليجية ، تعتمد عقائد دفاعية تركز على الردع وحماية الأراضي .
في المقابل تمتلك دول مثل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي عقائد هجومية تعتمد على المبادأة والتواجد العسكري العابر للحدود .
إن تحويل العقيدة العسكرية لجيش ما من "دفاعية" إلى "هجومية" ليس مجرد قرار سياسي يُتخذ بين عشية وضحاها ، بل هو مسار استراتيجي شاق يستغرق سنوات طويلة ويحتاج إلى :
1. تعديل المنظومة التشريعية والدستورية الحاكمة للقوات المسلحة .
٢.
2. إعادة تأهيل العنصر البشري وتغيير ثقافة المؤسسة العسكرية .
3. تزويد الجيش بأسلحة وآليات هجومية نوعية .
4. بناء ترسانة متقدمة تشمل الغواصات ، الفرقاطات البحرية والقواعد العسكرية اللوجستية خارج الحدود .
٥.
إن ما شهدته الساحة اليمنية خلال العقد الماضي يقدم برهاناً ساطعاً على الفرق الشاسع في المهارات القتالية و الجاهزية الميدانية بين مقاتلي جنوب اليمن وشماله ، رغم التفاوت الكبير في التعداد البشري وحجم السلاح التقليدي والنوعي لصالح الشمال الذين استحوذوا على كامل ترسانة جيش الجمهورية اليمنية .
ويتجلى هذا الفارق في معيارين رئيسيين :
1. الكفاءة القتالية وحجم التسليح
لو توفرت للقوات المسلحة الجنوبية ترسانة حديثة تتضمن صواريخ باليستية متعددة المدى ، وطائرات مسيرة متطورة وآليات مدرعة وحديثة مزودة بكافة التجهيزات الحديثة وكاسحات ألغام متقدمة ، لتمكنت من تغيير المعادلة العسكرية وحسم المعارك الميدانية لصالحها في وقت قياسي .
2. الدافع الذاتي مقابل التعبئة الجبرية
• في الجنوب : يندفع المقاتلون نحو جبهات القتال بشكل تطوعي وعفوي ، بدافع ذاتي ودفاعاً عن الدين والأرض والعرض ، دون الحاجة لإعلان "نفير عام" أو فرضه بالقوة .
•
• في مناطق سيطرة الحوثيين : يعتمد الحشد العسكري على التعبئة القسرية وشحن الأطفال والشباب عقائدياً للزج بهم في أتون المعارك دون رغبة حقيقية أو عقيدة عسكرية وطنية .
إن العقيدة القتالية ليست مجرد شعار ، بل هي الإيمان بالقضية والجاهزية للتضحية والمبادرة . وما يظهره المقاتل الجنوبي اليوم هو امتداد طبيعي لتاريخ عسكري طويل بُني على الاحتراف والانضباط والقدرة على حسم المعارك مهما بلغت التحديات .
وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم
