الحوثي وإيران.. مشروع يتجاوز اليمن وتهديد يمتد إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية

عدن - منبر عدن - نقرير خاص

لم تعد مخاطر مليشيا الحوثي الإرهابية محصورة في تداعيات انقلابها على مؤسسات الدولة وإطالة أمد الصراع في اليمن، بل اتسعت خلال السنوات الماضية لتصبح جزءاً من معادلة إقليمية أكثر تعقيداً، ترتبط بالنفوذ الإيراني في المنطقة وما يوفره من دعم وتسليح وخبرات للجماعة، في وقت تحولت فيه مناطق خاضعة لسيطرتها إلى مصدر تهديد لأمن اليمن ودول الجوار والملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.

ذراع إيرانية داخل اليمن

يمثل الارتباط بين مليشيا الحوثي وإيران أحد أبرز أبعاد الصراع اليمني، إذ أسهم الدعم الإيراني العسكري والتقني والسياسي في تعزيز قدرات الجماعة وتمكينها من الاستمرار في المواجهة وامتلاك وسائل تهديد تتجاوز حدود اليمن.

ويكشف هذا الارتباط أن القضية لم تعد مرتبطة بجماعة مسلحة تنازع الدولة اليمنية سلطتها فحسب، وإنما بمشروع نفوذ إقليمي وجد في الحوثيين أداة محلية لتنفيذ أهداف تتقاطع مع المصالح الإيرانية في المنطقة، على حساب سيادة اليمن وأمنه واستقراره.

اليمن ساحة لأجندة خارجية

وأدى استمرار النفوذ الإيراني إلى تعقيد الأزمة اليمنية وإطالة أمدها، وتحويل أجزاء من البلاد إلى ساحة صراع مرتبطة بحسابات إقليمية، في وقت يدفع فيه اليمنيون ثمناً باهظاً لاستمرار الحرب وتعطل مؤسسات الدولة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

ولا يمكن فصل الدعم الخارجي للحوثيين عن قدرتهم على مواصلة التصعيد، خصوصاً في ظل ما راكمته الجماعة من قدرات عسكرية وتقنية خلال سنوات الحرب، الأمر الذي جعل إنهاء مصادر التسليح والدعم الخارجي جزءاً أساسياً من أي مسار جاد لاستعادة الدولة وتحقيق سلام مستدام.

البحر الأحمر في دائرة التهديد

وتبرز خطورة المشروع الحوثي بصورة أكبر عند النظر إلى موقع اليمن الجغرافي وإطلالته على البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وقد نقلت الهجمات الحوثية على السفن خلال السنوات الأخيرة تداعيات الأزمة اليمنية إلى نطاق دولي أوسع، بعدما أصبحت سلامة حركة السفن والتجارة العابرة للبحر الأحمر مرتبطة بصورة مباشرة بالتطورات العسكرية في اليمن.

ومن هنا، فإن تهديد الملاحة لا يمثل شأناً يمنياً أو إقليمياً فحسب، بل يمس مصالح دولية واسعة، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للممر البحري الرابط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.

خطر لم يستثنِ اليمنيين

وعلى المستوى الداخلي، لم يقتصر الصراع الذي خاضه الحوثيون على طرف سياسي أو منطقة يمنية بعينها؛ فمنذ انقلابهم على مؤسسات الدولة، دخلت الجماعة في مواجهات مع قوى ومكونات يمنية متعددة، وسعت إلى فرض سلطتها بالقوة، ما يجعل خطر استمرار مشروعها مرتبطاً بمستقبل الدولة اليمنية نفسها وليس بخلاف سياسي محدود بين أطراف متنافسة.

كما أن استمرار وجود قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة ومرتبطة بداعم إقليمي يضع السيادة الوطنية أمام تحدٍ جوهري، ويجعل استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء مظاهر الانقلاب والسلاح الخارج عن سلطتها متطلبات أساسية لأي استقرار طويل الأمد.

السعودية في مواجهة تداعيات التهديد

وكانت المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول التي طالتها الاعتداءات الحوثية خلال سنوات الصراع، بالتوازي مع دورها في دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومساندة الجهود السياسية الرامية إلى التوصل إلى تسوية تنهي الحرب.

ويجعل الموقع الجغرافي لليمن وأهمية البحر الأحمر وباب المندب أمنَ اليمن مرتبطاً بصورة وثيقة بأمن دول الجوار والمنطقة، وهو ما يفسر اتساع تداعيات استمرار النفوذ الإيراني عبر الحوثيين إلى ما وراء الحدود اليمنية.

وفي المقابل، ظل الجنوب جزءاً رئيسياً من المواجهة العسكرية ضد الحوثيين منذ الحرب التي شهدتها عدن والمحافظات الجنوبية، وسط تأكيد متواصل على ضرورة حماية أمن الجنوب ومواجهة التهديدات التي تستهدف أمن المنطقة والممرات البحرية.

السلام يبدأ باستعادة القرار اليمني

إن الوصول إلى سلام حقيقي في اليمن لا يرتبط فقط بوقف المواجهات العسكرية، وإنما يتطلب معالجة الأسباب التي تسمح باستمرار الصراع، وفي مقدمتها وجود جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة وتدفق الدعم العسكري الخارجي إليها.

فاستمرار الحوثيين كقوة عسكرية مرتبطة بإيران يعني بقاء أحد أهم مصادر عدم الاستقرار قائماً، كما يمنح طهران ورقة نفوذ جيوسياسية في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الأمن والتجارة الدوليين.

وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى موقف إقليمي ودولي أكثر فاعلية يجمع بين دعم مسار السلام وحماية الملاحة الدولية ومنع وصول الأسلحة والتقنيات العسكرية إلى الحوثيين، إلى جانب دعم استعادة مؤسسات الدولة وسيادتها على كامل قرارها الوطني.

فالمعادلة تجاوزت منذ سنوات حدود الصراع اليمني الداخلي؛ وأصبح إنهاء التهديد الحوثي وتقليص النفوذ الإيراني المرتبط به قضية تتصل في آن واحد بأمن اليمن، واستقرار دول الجوار، وسلامة البحر الأحمر وباب المندب، ومستقبل الأمن الإقليمي والدولي.