ثورة 14 أكتوبر.. من إرادة التحرير إلى استحقاق الدولة الجنوبية
في الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة ، لا يستعيد الجنوب صفحة من تاريخه فحسب ، بل يقف أمام سؤال المستقبل : كيف تتحول تضحيات الأجيال إلى دولة عادلة ، وكيف تصبح ذاكرة التحرير أساسا لبناء الاستقرار ، وكيف تنتقل الإرادة الشعبية من ميادين النضال إلى ميادين الإدارة والتنمية والحكم الرشيد ؟
من ردفان حيث انطلقت شرارة الثورة في 14 أكتوبر 1963م بقيادة المناضل راجح بن غالب لبوزة ورفاقه ، إلى العاصمة عدن التي شهدت إعلان الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م ، كتب الجنوبيون واحدة من أبرز صفحات التحرر الوطني في تاريخ المنطقة.
لم تكن تلك المسيرة مجرد مواجهة مع قوة استعمارية ، بل كانت تعبيرا عن شعب قرر أن يصنع مستقبله بإرادته ، مهما بلغت التضحيات.
واليوم، بعد ثلاثة وستين عاما ، تتجدد قيمة 14 أكتوبر لا باعتبارها مناسبة للاحتفاء بالماضي وحده ، وإنما بوصفها مدرسة سياسية ووطنية تضع أمام الأجيال الحاضرة مسؤولية استكمال ما بدأه الآباء : بناء مستقبل يحفظ الكرامة ، ويصون الهوية ، ويؤسس لدولة تتسع لجميع أبنائها.
لم تنتصر ثورة 14 أكتوبر بقوة السلاح وحدها ، ولم يكن طريقها إلى الاستقلال مفروشا بالوعود ، لقد استمدت قوتها من إيمان الناس بعدالة مطلبهم ، ومن اتساع المشاركة الشعبية ، ومن تضافر جهود المناضلين والقبائل والعمال والطلاب والمثقفين ، ومن قدرة الحركة الوطنية على تحويل الغضب من واقع الاستعمار إلى مشروع للتحرر.
وهنا تكمن إحدى أهم دروسها : إن القضايا الوطنية الكبرى لا تبلغ غاياتها بمجرد عدالة مطالبها ، بل تحتاج إلى قيادة واعية ، وتنظيم مسؤول ، ورؤية واضحة ، وقدرة على جمع الطاقات المتنوعة حول هدف مشترك.
لقد أثبتت تجربة التحرير أن الجغرافيا مهما اتسعت لا تصبح وطنا موحد الإرادة إلا حين تتقدم المصلحة العامة على المصالح الضيقة ، وحين يدرك كل طرف أن نجاح المشروع الوطني لا يتحقق بإقصاء الآخرين ، وإنما بتكامل أدوارهم.
ومن المهرة شرقا إلى باب المندب غربا ، يمتلك الجنوب اليوم رصيدا تاريخيا وإنسانيا وجغرافيا يستحق أن يترجم إلى مشروع دولة حديثة ، غير أن الوفاء الحقيقي لمن صنعوا الاستقلال لا يقتصر على استذكار بطولاتهم ؛ بل يتمثل في استخلاص الدروس من تاريخنا ، والاستفادة من نجاحاته ، والتعامل بمسؤولية مع محطاته المؤلمة.
فالتاريخ لا يمنح الشعوب حصانة دائمة من الأخطاء ، لكنه يمنحها فرصة ثمينة لتتعلم ، وتراجع خياراتها ، وتبني مستقبلها على وعي أعمق.
إن قضية شعب الجنوب ، بما تحمله من أبعاد تاريخية وسياسية وحقوقية ، تحتاج في هذه المرحلة إلى خطاب يجمع ولا يفرق ، وإلى عمل سياسي يترجم تطلعات الناس إلى رؤية واضحة وأولويات قابلة للتنفيذ.
وهنا تبرز مسؤولية القيادة الجنوبية بمختلف مكوناتها : فالتوافق ليس تنازلا عن المبادئ ، والشراكة ليست انتقاصا من الأدوار ، والحوار ليس علامة ضعف ، بل أدوات لبناء موقف وطني جنوبي أكثر تماسكا وقدرة على التعبير عن تطلعات الجنوبيين.
لقد علمتنا التجارب أن الخلافات الداخلية قد تستنزف ما تعجز الخصومات الخارجية عن استنزافه ، وأن التنافس حين يتحول إلى إقصاء يضعف الجميع ، بينما يفتح التفاهم المسؤول أبوابا أوسع أمام العمل السياسي والمؤسسي.
وليس المطلوب أن تتطابق الآراء في كل التفاصيل ، بل أن تتوافر إرادة مشتركة لإدارة الاختلاف ، والاحتكام إلى الحوار ، واحترام التعدد ، وتقديم المصلحة الوطنية على حسابات النفوذ الآنية.
إن الجنوب الذي يستحقه أبناؤه هو جنوب لا يحتكر فيه حزب أو منطقة أو قبيلة أو شخصية حق التعبير عن الجميع ، ولا يقاس فيه المواطن بأصله الجغرافي أو انتمائه السياسي ، بل بما يتمتع به من حقوق وما يؤديه من واجبات.
فالدولة التي يناضل الناس من أجلها يجب أن تكون أوسع من الأشخاص ، وأبقى من التحالفات المؤقتة ، وأقوى من المصالح الضيقة.
إن قوة أي مشروع سياسي لا تقاس بقدرته على وصف المستقبل فحسب ، بل بقدرته على تقديم إجابات عملية عن أسئلة الحاضر : كيف تحمى الحقوق ؟ وكيف تدار الموارد ؟ وكيف تصان كرامة المواطن ؟ وكيف تتحقق العدالة بين المحافظات ؟ وكيف تصبح المؤسسات أقوى من الأفراد ؟
ومن هذا المنطلق ، فإن مشروع الدولة الجنوبية المدنية الاتحادية الحديثة وعاصمتها عدن ، ينبغي أن يقوم على مبادئ واضحة : سيادة القانون ، والعدالة والمساواة ، والحكم الرشيد ، واللامركزية الفاعلة ، والتوزيع العادل للموارد ، واستقلال المؤسسات الرقابية ، وتكافؤ الفرص أمام جميع المواطنين.
ولا يمكن أن يكتمل هذا المشروع من دون معالجة هموم الناس اليومية ، فالمواطن الذي ينتظر راتبه ، والأسرة التي تعاني من انقطاع الكهرباء ، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل ، والمريض الذي يحتاج إلى العلاج ، جميعهم ينتظرون أن تتحول الشعارات الوطنية إلى نتائج ملموسة في حياتهم.
ومن هنا فإن بناء الدولة يبدأ قبل إعلانها ؛ يبدأ من ترسيخ الانضباط المؤسسي ، ومحاربة الفساد ، وتحسين الخدمات ، وتأهيل الكفاءات ، وإعطاء الشباب والمرأة دورا حقيقيا في صناعة القرار ، وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
كما أن حضرموت وشبوة والمهرة وأبين ولحج والضالع وسقطرى والعاصمة عدن وسائر محافظات الجنوب ليست مجرد أسماء على خريطة ، بل مكونات متكاملة لمشروع وطني لا يستقيم إلا بإنصافها ، واحترام خصوصياتها ، وضمان مشاركتها في القرار والثروة والتنمية.
فلا معنى لدولة قوية إذا شعر بعض أبنائها بأنهم خارج حساباتها ، ولا معنى للحرية إذا لم تقترن بالعدالة ، ولا معنى للاستقلال السياسي إذا لم يسنده استقلال القرار المؤسسي والقدرة على إدارة الموارد بمسؤولية.
وفي ظل استمرار تهديدات مليشيات الحوثي المدعومة من إيران ، وما يرتبط بها من مخاطر على أمن المنطقة والملاحة الدولية ، تظل حماية الجنوب وتعزيز قدرات مؤسساته الأمنية والدفاعية من الأولويات الوطنية ، فالمخاطر التي تتجاوز الحدود لا تهدد طرفا بعينه ، بل تمس استقرار المجتمعات ومصالح دول المنطقة وأمن الممرات البحرية الحيوية.
غير أن مواجهة هذا التهديد تتطلب ، إلى جانب الجاهزية والانضباط ، رؤية سياسية متكاملة تحمي المدنيين ، وتمنع اتساع الصراعات ، وتدعم فرص السلام المستدام ، فالقوة الحقيقية ليست في استمرار المواجهة لذاتها ، بل في القدرة على حماية المجتمع وتهيئة الظروف التي تجعل الأمن والاستقرار واقعا دائما.
كما أن رفض المشروع الحوثي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع المجتمعات أو إلى خطاب يوسع الانقسامات ، فالمعركة مع مشروع يقوم على احتكار السلطة وفرض الوصاية لا تكسب معناها الأخلاقي والسياسي إلا بالتمسك بقيم الدولة والقانون وكرامة الإنسان.
إن الجنوب الذي يتطلع إلى مستقبل آمن يحتاج إلى مؤسسات دفاعية منضبطة ، وقرار سياسي مسؤول ، وخطاب إعلامي يرفع الوعي ، ويواجه التضليل بالمعلومة ، ويعزز الثقة بدلا من تأجيج الانقسامات.
وفي هذه اللحظة التاريخية ، تبرز أهمية العلاقات مع المملكة العربية السعودية ، بما تمثله من ثقل سياسي وإقليمي ، وبما يربط أمن الجزيرة العربية واستقرارها من مصالح مشتركة وتحديات متداخلة.
وقد أكدت المملكة في مواقفها الرسمية أهمية الحوار بين المكونات الجنوبية ، وإيجاد حلول عادلة للقضية الجنوبية ضمن مسار سياسي شامل ، إلى جانب دعم أمن اليمن واستقراره.
ومن هذا المنطلق ، فإن التعامل مع الدور السعودي ينبغي أن يستند إلى فهم سياسي مسؤول ، يقوم على الحوار والتنسيق واحترام المصالح المشتركة ، ويمنح القضايا العادلة فرصتها في المسارات السياسية ، بعيدا عن المزايدات أو الخطابات التي تضيق مساحة التفاهم.
إن العلاقة مع المملكة ليست مجرد موقف عاطفي أو عبارة تقال في المناسبات ، بل مسؤولية تقتضي بناء الثقة ، وتغليب لغة المصالح المشتركة ، ودعم جهود التهدئة ، والعمل على حلول سياسية تحفظ الحقوق وتدعم الاستقرار.
كما أن أمن الجنوب يرتبط بأمن محيطه العربي ، وأن استقرار الممرات البحرية ، وفي مقدمتها باب المندب ، مصلحة تتجاوز الحدود المحلية إلى الاقتصاد الإقليمي والتجارة الدولية ، ومن ثم فإن حماية هذا المجال الحيوي تستدعي تعاونا مسؤولا يجمع بين الأمن والتنمية والدبلوماسية.
في الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر ، لا يحتاج الجنوب إلى الاكتفاء بترديد أن التاريخ يقف إلى جانبه ؛ بل يحتاج إلى أن يجعل أفعاله اليوم جديرة بتاريخ نضاله ، فالأمم لا تتقدم بمجرد استحضار أمجادها ، وإنما حين تحول الذاكرة إلى وعي ، والتضحيات إلى مؤسسات ، والتطلعات إلى برامج ، والاختلاف إلى شراكة وطنية.
وهذه مسؤولية مشتركة تقع على عاتق القيادة والنخب السياسية والإعلاميين والمثقفين والناشطين والمواطنين ، فالإعلام الوطني الجنوبي ، على وجه الخصوص مدعو إلى الانتقال من تكرار الرسائل إلى صناعة الوعي ، ومن ردود الفعل الآنية إلى بناء خطاب وطني يشرح الأهداف ، ويعرض الحلول ، ويراقب الأداء ، ويفتح المجال للنقاش المسؤول.
إن المرحلة تحتاج إلى شجاعة من نوع آخر ؛ شجاعة الاعتراف بالأخطاء ، وتصحيح المسارات ، وتقديم الكفاءات ، واحترام القانون ، والانحياز إلى مصلحة المواطن ، والعمل بصبر من أجل بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.
لقد انطلقت ثورة 14 أكتوبر من ردفان بإمكانات محدودة ، لكنها امتلكت إرادة عظيمة وهدفا واضحا ، واليوم لا يكفي أن نستعيد شجاعة أولئك الرجال ؛ بل علينا أن نستعيد قدرتهم على إدراك اللحظة التاريخية ، وأن نثبت أن الجيل الذي ورث حلمهم قادر على تحمل مسؤولية المستقبل.
فالحرية التي لا تحرسها العدالة تظل ناقصة ، والاستقلال الذي لا تسنده المؤسسات يظل معرضا للاهتزاز ، والنصر الذي لا يتحول إلى استقرار وتنمية لا يحقق كامل غايته.
ومن المهرة شرقا إلى باب المندب غربا ، يبقى الرهان الحقيقي على جنوب يتسع لجميع أبنائه ، ويحفظ كرامتهم ، ويصون حقوقهم ، ويقيم علاقاته على الاحترام والمصالح المشتركة ، ويجعل من العاصمة عدن مركزا للحياة والعمل والبناء ، ومن مؤسساته عنوانا للثقة والمسؤولية.
في ذكرى ثورة 14 أكتوبر ، نترحم على شهداء الثورة وكل من بذلوا أرواحهم دفاعا عن كرامة الجنوب ، ونتمنى الشفاء للجرحى ، ونحيي كل من يعمل بإخلاص من أجل أمن المجتمع واستقراره وازدهاره.
المجد لثورة الرابع عشر من أكتوبر ، والوفاء لمن صنعوا استقلال الجنوب ، والعهد للأجيال القادمة بأن تكون تضحيات الماضي أساسا لدولة عادلة ، لا مجرد ذكرى نستعيدها كل عام.
كل عام والجنوب بخير ، وكل عام وأبناؤه أكثر وعيا وتماسكا وقدرة على بناء مستقبل يليق بتضحياتهم وتطلعاتهم.
