المبالغة، حين تتحول القيم إلى شعارات جوفاء
يعلمنا التاريخ بأن الخلل لا يأتي دائما من التفريط، بل كثيرا ما يأتي من الغلو والمبالغة.
فالخوارج لم يكونوا أهل معاص، بل أهل صلاة وصيام وقيام، حتى استنقصوا عبادة كبار الصحابة، ومع ذلك قال فيهم النبي الأعظم
(يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)
إنها عبادة لكنها بلا فقه، وتدين بلا بصيرة، وحماسة بلا عقل.
لم تكن المشكلة في كثرة العبادة، بل في انفصالها عن المقاصد، وعن الرحمة، وعن فهم الواقع.
وهذا النموذج يتكرر في كل عصر، لكن بأسماء مختلفة.
المبالغون في الوطنية نسخة معاصرة من الغلو!
نرى اليوم من يبالغ في الوطنية حتى تتحول من قيمة جامعة إلى أداة إقصاء وتخوين! فمن ينتقد فهو خائن، ومن يخالف فهو عميل، ومن يطالب بالإصلاح فهو مأجور!!
ترتفع الشعارات، وترفع الصور، وتردد الأناشيد، لكن أين العدل؟ أين كرامة الإنسان؟ أين محاسبة الفاسد؟ أين حق الاختلاف؟
كما قرأ الخوارج القرآن بلا تدبر، يرفع المزايد اسم الوطن بلا وعي ولا مسؤولية.
المزايدة علامة خلل لا قوة، دائما المبالغة المفرطة علامة نفاق لا علامة صدق، فمن يصرخ أكثر لا يعني أنه الأصدق، ومن يزايد أكثر لا يعني أنه الأخلص، ومن يحتكر الوطنية لا يعني أنه يخدم الوطن.
الوطنية الحقيقية: عمل لا صراخ وضجيج، ومسؤولية لا شعارات، ونقد صادق لا تصفيق أعمى.
إن كل قيمة تنزع منها الحكمة، تتحول إلى خطر، وكل شعار بلا عقل، يصبح أداة هدم، سواء كان باسم الدين أو باسم الوطن.
