يافع ليست حزبا

منبر عدن - خاص

يافع قبيلة، كغيرها من القبائل اليمنية، مكوّن اجتماعي يجمع أبناءه على اختلاف آرائهم وانتماءاتهم؛ ففيها: الوحدوي والانفصالي، والمؤتمري والإصلاحي والسلفي والاشتراكي والانتقالي والمستقل، وليس من حق أحد أن يدعي احتكار تمثيلها، أو أن يصبغ تاريخها وتراثها وهويتها الجامعة بلون مشروعه السياسي.

ليافع هرمها القبلي التاريخي الذي يُعد من أرقى الهياكل القبلية تنظيما (سلاطين ومكاتب ونواصف وفخائذ وخموس وأرباع)، كما تضم في الوقت نفسه مكونات وتيارات سياسية تعبّر عن مشاريعها المختلفة. ولا تعارض بين الأمرين ما دام كل طرف يدرك حدوده ويحترم طبيعة الدور الذي يمثله.

القبيلة، في مجتمعاتنا العربية، ليست بديلا عن الدولة كما عرفتها الأزمنة البدائية، وكذلك ليست أداة سياسية بيد النظام الحاكم كما هو نهج الأنظمة الفاشية الشمولية، بل هي حاضنة اجتماعية سبقت الدولة وتجددت معها عبر العصور بتكامل لطيف بين السياسي والاجتماعي، وستبقى ما بقي المجتمع، لأنها لبنة أساسية فيه، كما هي الأسرة. قال تعالى: (یَاأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَاكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ، وَجَعَلۡنَاكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئلَ لِتَعَارَفُوۤا)..

وبناء على ذلك، فمن أراد مصلحة يافع عليه أن يحافظ على هرميتها القبلية وإرثها الحميري العريق، وأن يجنبها التجاذبات السياسية؛ فالسياسة مجال للاختلاف والتنافس، أما القبيلة فمثل الأم حضن دافئ لجميع أبنائها؛ البار والعاق.

لقد حاول النظام الماركسي السابق محو القبيلة في الجنوب من الوجود، وإحلال شعاراته المستوردة محل تراثها وهويتها، حتى بلغ الأمر ببعض رموزه، في ظل جبروت سلطته، أن جاء إلى يافع في إحدى مناسباتها التراثية، ليكيل السباب واللعن للقبيلة وسلاطينها وشيوخها. لكن الزمن دار دورته، فزال ذلك النظام وزالت شعاراته، وبقيت يافع راسخة تستعيد أصالتها وتجدد حضورها ككيان اجتماعي حميري أصيل.

للأسف، لا يزال البعض لم يتعلم من دروس الماضي، ويسعى اليوم إلى تكرار التجربة ذاتها عبر تسييس تراث القبيلة ومحاولة فرض شعاراته السياسية عليها. مع أننا في لحظة جديرة بالمراجعة والتصحيح.

منطق العقل، يفرض علينا أن نتعلم من غيرنا، بل من تجاربنا الخاطئة على أنفسنا، وأن نفصل بين ما هو ثقافي تراثي قبلي عريق، وبين ما هو سياسي آني متغير. فلهذا مجاله وأدواته ومناسباته، ولذاك مجاله وأدواته ومناسباته. فيافع أكبر من أن تُختزل تحت عباءة مكوّن سياسي صغير، فهي قبيلة وليست حزبا.

مقالات الكاتب