قضية شعبنا .. بين ثبات المبدأ والواقعية السياسية
للجنوب قضية عادلة، سبقت عاصفة الحزم بسنوات، التفّ حولها الشعب الجنوبي من أقصاه إلى أقصاه، وسقاها بدماء قوافل من الشهداء الأبرار، وبآهات مئات الجرحى الذين تساموا فوق آلامهم، وبمواقف قادة ثبتوا على هذا الحق؛ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من لا يزال على العهد ينتظر. إنها قضية لم تُصنع في لحظة، ولم تُفرض بإملاء، بل تشكّلت بإرادة شعب كامل، وتكرّست بتضحيات جسام، ولذلك نثق بعدالتها، ونوقن أنها ستنتصر، لأن القضايا العادلة لا تسقط بتغيّر الظروف، ولا بتواري الأشخاص أو المكونات لأي اعتبارات كانت.
إن واجب المرحلة يحتم علينا أن نغلب مصلحة شعبنا وقضيته الوطنية العليا على كل ما عداها، وأن نلتف حول جوهر قضيتنا الرئيسية، لا حول التفاصيل الثانوية، وأن نحصّن صفّنا من كل محاولات تمزيق صفوفة وشق وحدته تحت مسميات مناطقيه تقزم هدفه الكبير، وأن لا نشكك أو نخون قياداتنا ممن يتصدرون المشهد اليوم ما دام يعملون ضمن مسار يخدم إرادة شعبنا الجنوبي وحقه المشروع في استعادة دولته. فالقضية أكبر من الأفراد، وأبقى من التنظيمات، وأسمى من الخلافات العابرة.
ويجب أن ندرك أنه في ظل التوازنات الإقليمية والدولية المعقّدة، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة المحورية، وقائدة التحالف العربي، وصاحبة الثقل السياسي والقرار المؤثر في مسارات المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن التعامل الواقعي والمسؤول يقتضي إدراك أهمية الدور السعودي، والبناء عليه، لا القفز عليه أو القطيعة معه. فنحن الأقرب إلى المملكة جغرافياً وتاريخياً واجتماعياً، وترتبط قضيتنا بأمنها واستقرارها، كما يرتبط مستقبل الدولة الجنوبية المنشودة بمحيطها العربي والخليجي.
وإذ نأسف لما شاب المرحلة الأخيرة من خلافات بين الشقيقتين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وما ترتب على ذلك من آلام كان شعب الجنوب أحد ضحاياها، فإن الحكمة تقتضي تجاوز تلك الجراح، وعدم الإساءة إلى أي من الطرفين، مع الأمل الصادق في أن تتجاوز الدولتان الشقيقتان هذا الخلاف، لما فيه مصلحة المنطقة ككل. فاستقرار الإقليم لا يحتمل مزيداً من الانقسامات، وقضيتنا لا تُخدم بالتصعيد أو القطيعة، بل بحسن إدارة العلاقات والتمسك بالثوابت.
إن ما نراه اليوم من موقف سعودي يتسم بالوضوح والانفراد بإدارة الملف، والإفصاح عن مقاربة منسجمة مع إرادة شعب الجنوب، يمثل فرصة سياسية ينبغي اغتنامها بعقلانية ومسؤولية. فما سيُقرَّر في هذا الإطار، إذا ما أحسن التعاطي معه، سيكون داعماً لقضيتنا، وممهداً لانتزاع حقنا المشروع في استعادة دولتنا، دولة جنوبية ستكون جزءاً فاعلاً من محيطها العربي، وعلى علاقة متميزة ووثيقة مع الأشقاء في دول الجزيرة والخليج، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، لأسباب استراتيجية وتاريخية وجغرافية لا يمكن تجاوزها.
فلنُحسن قراءة اللحظة، ولنتمسك بقضيتنا وبعدالتها، ولنجعل مصلحة شعبنا هي البوصلة، بعيداً عن الانفعال، وقريباً من الحكمة، مستندين إلى قناعة راسخة بأن الجنوب، بإرادة أبنائه، وبحسن إدارة علاقاته، قادر على انتزاع حقه، مهما تعقّدت الظروف وتبدّلت المعادلات.
