مرتكزات ترتيب البيت الجنوبي وإدارة تبايناته
تشهد الساحة الجنوبية اليوم واحدة من أدق لحظاتها السياسية، حيث تتداخل التحولات الداخلية بالمحاور الإقليمية، وتتشابك الطموحات الوطنية مع قيود الواقع. وفي قلب هذه اللحظة، يبرز المشروع الوطني الجنوبي لاستعادة وبناء دولة الجنوب الفيدرالية المستقلة كبوصلة قادرة على جمع الشمل، على قاعدة الشراكة والتصالح والتسامح، من أجل جنوب جديد لكل وبكل أبنائه، لا لطرفٍ دون آخر.
لكن التحدي الأكبر ليس في حجم المصاعب الموضوعية التي تعترض المشروع الوطني الجنوبي، بل في طريقة إدارة تباينات مسار تحقيق هذا الهدف في إطار البيت الداخلي الجنوبي، حيث تتنازع سرديتين، بين منطق القوة ونهج الغلبة، ومنطق التوافق والشراكة الحقيقية التي تنبثق من روح المشروع نفسه.
تؤكد التجارب التاريخية — القريبة والبعيدة — أن المجتمعات التي تنهض من رماد الأزمات لا تفعل ذلك بإعادة إنتاج الصراعات، بل بقدرتها على تجاوز أزماتها، وأخذ العظة من إخفاقات الماضي ومآسيه، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتنظيم التباينات بفكر متصالح وعقلية سياسية راشدة، تبني لا تهدم، وتجمع لا تفرق، وتصلح العلاقات وترمم البيت الداخلي، وهذا هو جوهر المشروع الوطني الجنوبي.
وبناء على ذلك، يمكن القول أن الجنوب اليوم يواجه سؤالين: الأول "ماذا نريد؟"، والثاني الأعمق: "كيف ندير جهودنا لتحقيق ما نريده؟"
وبما أن إجابة السؤال الأول نريد تحقيق مشروعنا الوطني المتمثل في استعادة وبناء دولة الجنوب الفيدرالية المستقلة.
فإن إجابة السؤال الثاني، من وجهة نظري تستلزم مراعاة ستة مرتكزات أساسية، ترتكز جميعها على روح المشروع الوطني الجنوبي الجامع:
أولًا: التوافق كضرورة وجودية.
ففي سياق واقع الجنوب المتنوع، لم يعد التوافق خيارًا تكتيكيًا أو ترفًا سياسيًا، بل شرطًا لتحقيق المشروع الوطني الجنوبي وحماية مساره، وترسيخ الأمن الاستقرار وتمتين الاصطفاف الوطني وضمان البقاء في مواجهة المخاطر والتحديات المحدقة بالجنوب أرضًا وإنسانًا. فالمشروع الذي يقوم على الشراكة والتصالح والتسامح لا يمكن أن يُفرض بقوة طرف على آخر، بل لا بد أن ينمو من رحم توافق حقيقي.
ومن هذا المنطلق تبرز الحكمة في تحويل التباينات إلى مصدر توازن، وليست في إلغاءها. فالتوافق لا يلغي الاختلاف بل يديره وينظمه ويضعه في إطار يحول دون انفجار صراع مدمر، يُرسي هيمنة طرف ويُلغي الآخرين.
ثانيًا: بناء إدارة جماعية مشتركة للمشروع لا كسب معارك هامشية
تتفاقم الأزمات غالبًا عندما تُدار بعقلية "من ينتصر؟" في معارك هامشية لكسر العظم بين الإخوة، بدل "كيف ننجح معًا في تهيئة وبناء مستقبل الجنوب؟".
نحن اليوم، أمام لحظة تأسيس للمشروع الوطني الجنوبي، لا لحظة تصفية حسابات. والحقيقة أن الفرق بين اللحظتين جوهري، حيث الأولى تبني المستقبل، والثانية تستنزف الطاقات، والحكمة تقتضي حشد وتعبئة الجهود والإمكانيات كافة في سبيل البناء لا لتصفية الحسابات.
فالمطلوب ليس انتصارًا سياسيًا لطرف جنوبي على آخر، بل بناء بيئة سياسية قادرة على الصمود بمواجهة استحقاقات الحاضر والمستقبل، بيئة تعزز التكامل والتعاون والاصطفاف الوطني، وتراعي موازين القوى، وتتعامل مع المعطيات بروح التصالح والتسامح، وتقيم المتغيرات بواقعية سياسية كما هي، لا كما نتمناها أن تكون.
ثالثًا: ترسيخ الشراكة الإقليمية كرافعة للاستقرار وحماية المشروع الوطني
في عالم متشابك المصالح، لا يمكن عزل المسار الجنوبي عن محيطه. وهنا يبرز الدور الإقليمي — وعلى رأسه دور المملكة العربية السعودية الشقيقة — كعنصر حاسم لتحويل التوافقات النظرية إلى واقع مستدام. هذه الشراكة لا تنتقص من القرار الوطني، بل تعززه وتضمن استقراره؛ فنجاح أي مسار سياسي في الجنوب يرتبط بقدرته على الاندماج في معادلة إقليمية داعمة، توفر الضمانات وتفتح آفاق التنمية.
وبالتالي، فإن انفتاح السعودية على رعاية ودعم الحوار الجنوبي الشامل في الرياض، ومن ثم تأسيس مسار سياسي منظم لتحقيق آمال وتطلعات شعب الجنوب بضمانات سعودية وإقليمية ودولية أوسع، ينبغي ألا يُفرط فيه أبناء الجنوب.
فالمملكة، بما يربطها مع الجنوب جغرافيا واجتماعيًا وتاريخيًا، وبما تمتلكه من ثقل وتأثير ليس في الجنوب واليمن والمنطقة وحسب بل على الساحة الدولية، هي الأقدر على ضمان تحويل مخرجات الحوار إلى مسار حقيقي يفضي إلى تحقيق آمال وتطلعات شعب الجنوب، وتمكينه من تقرير مصيره وتحديد مستقبله السياسي.
التفريط في هذه المسار يعني تعريض المشروع الوطني الجنوبي بأكمله لمخاطرة غير محسوبة.
رابعًا: الحوار كآلية لصياغة ملامح دولة الجنوب الجديدة.
إذ يجب ألا تقتصر الحوارات السياسية على لقاءات شكلية، بل عليها أن تكون عملية سياسية متكاملة تعترف بالتعقيدات وتتفهم التباينات وتبلور نهج إدارتها. ويقاس نجاح الحوار بقدرته على بقدرته على ترجمة مبادئ الشراكة والتصالح والتسامح إلى مؤسسات دستورية وسياسية لبناء الدولة الجنوبية المنشودة، لا مجرد تفاهمات نخبوية مؤقتة.
وبالتالي فأي حوار جنوبي يجب أن يستوعب الجميع، وأي إطار سياسي يخلص إليه يجب أن يعكس الواقع، ويمثل كافة أبناء الجنوب، ويؤسس لمرحلة انتقالية تقوم على التدرج. فالحلول المستدامة تُبنى خطوة بخطوة، ومستقبل الجنوب الجديد لا يُفرض دفعة واحدة، بل يُصاغ بحوار صادق يضمن أن تكون الدولة لكل وبكل أبنائه.
خامسًا: مسؤولية النخب في ترشيد الخطاب السياسي.
في لحظات التحول، تتضاعف مسؤولية النخب السياسية والفكرية. المطلوب اليوم ترسيخ المشروع الوطني الجنوبي كمرجعية جامعة، وتبني خطابًا يجمع بين الوضوح في الهدف (استعادة الدولة الفيدرالية المستقلة) والهدوء في التعبير، بين الحزم والعقلانية. لا تأجيج الشارع، ولا تخوين الآخرين، بل إدارة التوقعات بروح التسامح.
إن أخطر ما يواجه المشروع الوطني اليوم ليس الخصوم الخارجيين، بل الانقسام الداخلي. كل صراع داخلي هو استنزاف للطاقات وإضعاف للموقف العام، وإهدار لفرصة تاريخية لبناء جنوب جديد لكل أبنائه، قد لا تتكرر.
سادسًا: حاجتنا لإدارة واعية للمشروع، لا ردود فعل مندفعة
الجنوب اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة تشكيل ذاته سياسيًا عبر المشروع الوطني الجامع. لكن هذه الفرصة مرهونة بقدرته على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التوافق، ومن ردود الفعل اللحظية إلى رؤية استراتيجية تقوم على الشراكة والتصالح. فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالصخب، بل تُدار بالعقل، والتاريخ لا يخلد من انتصر في معركة، بل من نجح في بناء دولة وترسيخ نهج العدالة، وصناعة نموذج نجاح يلبي تطلعات وإرادة الشعب ويعزز دور ومكانة الجنوب على الساحة الإقليمية والدولية.
في الختام، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يجب أن يطرحه كل منا على نفسه ويصيغ نهجه بموجبه:
هل نسعى إلى كسب جولة آنية ضد بعضنا، أم نعمل معًا من أجل تحقيق المشروع الوطني الجنوبي، على قاعدة الشراكة والتصالح والتسامح، في جنوب جديد لكل وبكل أبنائه؟
القادم أجمل إذا اجتمعنا، وتجاوزنا منطق الصراع ومشاريع الذات إلى منطق الشراكة والتكامل في سبيل البناء وخدمة مصالح شعب الجنوب وتحقيق تطلعاته.
