الاختزال.. كيف يقدم الإعلام الخارجي قضيتنا؟
هل ندرك كيف يقدم الإعلام الخارجي قضيتنا بذكاء واحترافية؟
مع كل تصاعد في الملف اليمني، تعود قضية الجنوب إلى واجهة الإعلام. لكن ما يلفت الانتباه ليس حجم النقاش، بل طريقة تناوله. فأخطر سلاح ضد الجنوب اليوم ليس الرصاص، بل التغطية الإعلامية.
في عام 2007، كان الإعلام الخارجي، الدولي والإقليمي، مجرد ناقل خبر -إن نقله- لقضية لا تعنيه. وكانت مئات الآلاف في الشوارع تعني: "شعب يرفض". أما اليوم، فهو ينقل الخبر ليصنع رأيًا عامًا ويقنع العالم، ويتعامل مع قضية يراها مزعجة، فيبحث عن ثغرة لاختزالها. فبدلًا من التحليل المتزن، يطغى خطاب "التسطيح"، وتُختزل قضية عمرها 35 عامًا في معادلة قاسية: إما وحدة كاملة، أو "مشروع تفكيك" يهدد أمن الإقليم.
الإعلام الخارجي لا يخترع الرواية، بل يلتقط المواد التي نقدمها له بأيدينا. ولذلك ينبغي الحرص على أن تبقى رسالتنا واضحة للجميع. فعندما يطغى خطاب الشخصنة والهتافات الفردية، يسهل على الإعلام الآخر اختزال القضية وتقديمها على أنها "غضب فصيل" وليست "مطلب شعب". وهذا لا يقزم القضية أمام المراقب الخارجي فحسب، بل يبعث أيضًا برسالة سلبية عن وجود انقسام داخلي.
وبالمثل، فإن استخدام ألفاظ مثل الثأر والانتقام والتصفية يضعنا في خانة "تهديد الاستقرار"، ويشبهنا بالحوثي، فتُهمَّش جذور القضية كما يراها الكاتب، والمتمثلة في إقصاء عام 1990، وحرب 1994، والحراك السلمي في 2007، ومقاومة 2015.
وحتى التعليقات الحادة، يتم انتقاء أسوأها وتقديمها على أنها "مزاج الشارع الجنوبي" بأكمله. وهذا يفقدنا تعاطف "المنطقة الرمادية" من الرأي العام، داخليًا وخارجيًا.
من ينجح في تعريفك، ينجح في احتوائك. فقد خرج شعب الجنوب في عام 2007 قبل أي مسمى تنظيمي، وعندما تُختزل مليونياته إلى "حشد تابع"، تتحول قضيته من "قضية شعب" إلى "قضية فصيل" يمكن المساومة عليها.
الإعلام لا يستطيع اختزالك، لكن طريقة عرضك قد تختزلك. فلتكن الرسالة واحدة: "الجنوب قضية هوية وتاريخ، بدأت من ساحات 2007، وتعززت بالمقاومة، ومطلبها دولة مستقلة كاملة السيادة بحدود ما قبل عام 1990". فاللافتة، والتصريح، والهتاف، كلها يجب أن تخدم هذه الرسالة، لأن الإعلام يصنع صورتك بما تقدمه له.
فهل من استفاقة في خطابنا، أم سيظل خطابنا موجهًا إلى أنفسنا فقط؟
