أسطورة النضال .. مسترخص النفس .. ناكر الذات

منبر عدن - خاص

إنه المناضل الصنديد/ حنش سالم عبدالله سلمان الحنشي، هذا الرجل الذي ترك موطن اغترابه في الخليج مع بداية الستينات من القرن الماضي، وعاد ليتسلق جبال جنوب الجزيرة العربية شمالها وجنوبها مقارعا رموز التخلف والاستبداد، سالبي حرية الشعوب، فقضى معظم وقته متنقلا بين الأماكن التي يربض فيها أولئك المستعمرون، محاربا لهم اينما وجدوا في سهل أو جبل أو ساحل، عاملا في الوقت نفسه على بث الوعي الثوري في أبناء تلك المناطق التي يمر فيها على مختلف فئاتهم، لإيمانه أن البلدان ملك كل أبنائها بدون تمييز ولن تصل إلى حرياتها إلا بتعاضد  الغالبية، رجل لم يأت من العلم المعرفي التعلمي إلا ما جعله متحررا من أمية القراءة والكتابة، لكن وعيه المعرفي الثقافي يفوق حاملي الشهادات العلمية، فحين تجلس أمامه وتنصت إليه يسحرك بطريقة حديثه واسترساله المنتظم المنهجي في سرد احداث الزمان والمكان الذي يسترجع أحداثه أمامك. ويبهرك حين تجلس معه بعد مدة من الزمن ويعيد عليك سرد ذلك الحدث بتفاصيله كما سرده عليك في المرة السابقة، لأنه قد عايش الأحداث بذاته وكان جزءا منها بالفعل، ولم يقتصر دوره على مجرد النقل لما قيل لها أو سمع به.
المناضل حنش سالم عبدالله وإن كان لم ينتظم في مدارس وأكاديميات تعليمية إلا أنه أكاديمية بخبرة الحياة التي غاص فيها منذ زمن مبكر من حياته فصقلت خبراته وأكسبته معارف ومهارات جعلته مرجعية موسوعة في مختلف أوجه الحياة.
رجل حمل كفنه على أكفه وطاف أرجاء الوطن لتحريره من كل شوائب ومعكرات صفو بناء الدولة فيه، وبعد دحر الاستعمار لم تأب نفسه التواقة للحرية وحب الخير للجميع إن يرمي جسمه بالعاصمة عدن ليملأ بطنه وشهواته من ملذات الحياة كما عمل بعض مرافقيه، ممن كان معه في الخليج وعند العودة للنضال في ارض الوطن، وهو حق لهم نظير خدماتهم البطولية لكن بما يسمح بمواصلة النضال وبناء مؤسسات الدولة ولا يجعلهم يتناسون الهدف الأسمى الذي عادوا من أجله واستشهد في سبيله كوكبة من أبناء الوطن، هذا الرجل(حنش) أبى إلا أن يعود إلى مسقط الرأس فوق قمم تلك الجبال التي لم تصل إليها حتى دولة الاحتلال(بريطانيا) حينها، عاد إلى تلك الجبال ليواصل مشواره النضالي، ويعمل على إرساء مؤسسات الدولة الحديثة المنشودة، فوطئة أقدامه قلعة القارة وسرار وأمدقيقة وطسة والعر والحد ولبعوس، متنقلا ليضع لبنات مؤسسات الدولة من مراكز أمنية ومقرات محاكم ولجان شعبية، ولجان دفاع، وحراسات ليلية، وتخطيط أراضي لبناء مرافق خدمية، حتى إذا ما رست مؤسسات الدولة وأصبحت تسير بصورة شبه طبيعية وجاء مناضلوا ما بعد عام 1967م، من المتملقين الذين سعوا للتسلق فوق أكتاف أولئك المناضلين الأبرياء الذين عاملوا كل فئات الشعب بسواسية تنكر له أولئك، وظل المناضل حنش سالم على مبدأه العام في تحرير الشعب واستقلاله ونأى بنفسه عن هذا الوسط غير السوي، فاعتزل مسار العمل المؤسسي في الدولة، وأخذ أسرته ليقضي حياته بدويا رحالا يرعى مواشيه بين الجبال والأودية، مصدر عيشهم الوحيد، حتى إذا ما وصل أولئك المتملقون برفقاء الثورة إلى حد لا رجعة فيه إلا بحرب طاحنة بينهم وتدمير البلاد بأكملها، ترك هذا المناضل مواشيه وأولاده في بطون تلك الجبال وحمل سلاحه الشخصي وتوجه إلى مواقع الشرف والبطولة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وقد قام وزملاؤه بدورهم الذي حتم الواجب عليهم أن يقوموا به، وبعد استتباب الأمن وعودة حياة الدولة ومؤسساتها قضى مدة من الزمن في تأسيس لجان الدفاع الشعبي وعمل قائدا لها في مركز سباح، وبعد أن زال الخطر المحدق بالبلاد ترك السيارة والقيادة والنثريات، وعاد إلى أولاده وأملاكه الشخصية في محارث شعب ومورق وضبه في بلاد الحنشي، وبعد الوحدة المشؤومة وما تعرضت له البلاد من غزو بربري تتاري جديد، عمل جاهدا على محاولة بث روح الحماس والثورية في نفوس الشباب، فكان مقارعا لأحزاب صنعاء التي وصلت إلى كل مكان في أنحاء جنوبنا الحبيب، ففكر في البداية وغيره من المناضلين بأن محاربة هؤلاء الذين يدثرون بالحزبية لن تكون فعالة إلا بالحزبية، فكان يشجع على الانخراط بأية أحزاب ترى في أحزاب الشمال غزوا للجنوب، وعمل على إعادة تفعيل المنظمة القاعدية للحزب الاشتراكي في المنطقة، وقد جمعني به مشوار طويل خضناه بهذا الاتجاه حتى استطعنا أن نهبط كل محاولات حزبي المؤتمر الشعبي العام وحزب التجمع اليمني للإصلاح في التغلغل بالمنطقة، وهزمانهم في صناديق الاقتراع التي كنا نتحول إلى جنود لحراستها ومراقبة محاولات تزويرها، واستمر في مشواره النضالي، ومع تأسيس الحراك السلمي كان من الرعيل الأول الذين عملوا على التأصيل والتنظير والتأطير له في المديرية، ومحاولة تأسيس فروع وجمعيات ومنظمات نضالية مساندة، فتجده في كل محفل نضالي، وخيمة عزاء شهداء الحراك السلمي، وحين خيم أبناء الجنوب في ساحة الحرية والاستقلال بمدينة خور مكسر كان مرابطا في خيمة أبناء الحنشي لا يبارحها، وقضى معظم أوقاته فيها...
إن هذا المناضل مدرسة نضالية متكاملة، ومهما تحدثنا وكتبنا عنها فلن نفيها مما قدمته للوطن على طيلة ستين سنة، هذا قيض من فيض، وبعض الخطوط العريضة التي اختطها مشواره النضالي منذ بداية ستينيات القرن الماضي، وقد علمت منه قبل مدة أنه يملي شيئا من مذكرات حياته على أولاده ليدونوها، وكنت عاقدا العزم على أن يأتي يوما نجد فيه فرصة للتفرق لمثل أولئك المناضلين الأبطال للجلوس معهم والاستماع إليهم ومحاورتهم للاطلاع على ما يمكن الاطلاع عليه من تفاصيل حياتهم وتدوينه، لكن هي بلادنا بظروفها العصيبة دوما التي لا تتيح الزمن، لمحاولة التفرق للعلم والاجتهاد والكتابة، وجعلتنا مجاهدين بعد لقمة عيش نسد بها رمق قوت حياتنا ومن نعيلهم من أسرنا مع تقصيرنا لكثير من حاجيات الحياة الأساسية...
وأخيرا أتمنى أن يحتفظ أولاده بما تم تدوينه ويحاولوا أن يدونوا ما يمكن تدوينه وأن نفكر بأي طريقة مناسبة لنشر تلك المذكرات لأنها تعد بمثابة الأمانة لديهم لشعب الجنوب، لأن مثل أولئك الناس ليست أملاكهم لورثتهم الشرعيين فحسب بل أملاكهم المعنوية لكل الشعب الذي نذروا أنفسهم من أجله.
ونتمنى الصحة والعافية وطول العمر وحسن الخاتمة لهذا المناضل الصنديد...
30 نوفمبر 2023م
كتبه: أبو هيف اليافعي