فن الممكن لاستعادة الدولة الجنوبية

منبر عدن - خاص

يقدّم الأستاذ المحامي علي هيثم القريب، وزير العدل السابق، وأحد القيادات الجنوبية المعروفة، في هذا المقال قراءة تحليلية لتطورات القضية الجنوبية، مستندًا إلى خبرته وتجربته في العمل الوطني.

ويتناول المقال محطات مهمة من مسار النضال الجنوبي، ويطرح رؤية حول واقع المرحلة والتحديات والخيارات الممكنة لتحقيق الأهداف الوطنية.

نص المقال:

كل مواطن له وجهة نظر لتشخيص حالة سياسية او حدث لكن الأهم ان هذا الطرح يصب باتجاه استعادة الدولة الجنوبية .. حيث تختلف الوسائل من شخص لأخر وبعض الوسائل إما صدامية او جامعة.

وما اطرحه هنا ليس مقارنة بين الماضي والحاضر بل هو للمعرفة لا اقل ولا اكثر.. وينطلق من منطلق وطني بحت .. وهو ايضاً اجابات على مئات الاسئلة لطالما شوهت وغيبت ..وحتى لا تفهمونا خطأ هي رسالة خاصة جداً للجنوبيين فقط الذين اكتووا بنار الاحتلال والصراع البيني ويدافعون بصدق عن وطنهم.

وفيه توضيح لحقيقة الصراع بين الجنوب والشمال من جهة، والشمال(اليمن) والمملكة من جهة اخرى .. ومهم ان نتراجع ونتفاهم بشكل اعمق ..وعلى شبابنا خاصة ان يتأنوا في الحكم على أباءهم الذين قضوا ربع حياتهم دفاعا عن وطنهم وتكونت لديهم معارف ودروس كثيرة.

عندما بدأنا الحراك الجنوبي بعد عام 1994 ونحن في بداية شبابنا ، وكانت تلك البدايات صرخة صدرت من اعماق تاريخ الجنوب .. وكان نظام صنعاء يعتبرها علامة لشعب يريد ان يكسر قيود الاسر .. حينذاك لم يكن أحد يرفع يده ليسلم علينا خوفا من أعين المحتل.

ولا سيما في تلك المرحلة المبكرة عندما كانت دولة الجنوب مخطوفة والأرض محتله والمواطن يبحث عن ابسط حقوقه .. وكانت تلك البدايات عبارة عن نهضة وطنية قاسية أوجدها رجال أشداء يحملون أهداف سامية مُلهَمَه من تاريخهم العريق وقيمهم العربية والإسلامية والإنسانية.

واليوم وبعد السجون والمحاكم والتضحيات والانتصارات ظهرت مساحات في تويتر يتسابق فيها الجنوبيون على شتم بعضهم البعض .. والتحريض يملأ مواقع التواصل الاجتماعي.. وهناك قلة قليلة جدا من طلائع العمل الوطني يدافعون عن الوطن واهدافه السامية والعادلة ويشرحون واقع الحال بكل مصداقية .. بل يكاد ان يكون المدافعون عن قيم واهداف القضية الجنوبية من الاوائل مستثنئين.

لقد اخبرتنا الـ 32 سنة الماضية حقيقة الإخوان والملألئ والحوثي ، وايضا حقيقة الاعلام عندما يقع بايدي من لا يعرف معنى الوطنية ، فهل نحتاج سنوات اخرى لكي نصحح أخطاءنا الحالية؟!!!.

لدى صنعاء قناعة تامة ان ضم الجنوب العربي والاستفراد بثرواته لن يتحقق الا بدعم تيار يحمل الكراهية لدول الخليج وعلى رأسها المملكة كما هو حاصل اليوم من قبل الحوثي والأحزاب اليمنية ، ولن يتحقق لهم ذلك الا بإعلام جنوبي صدامي كإعلام الحوثي والاخوان المسلمين حتى يفقد سمعته ومشروعيته.

لذا العدو ليس هذه الدولة او تلك بل العدو يعيش بيننا وهو الذي يستغل كل شيء في حياتنا اليومية لتحقيق أطماعه عبر اختراع العداوات والكراهية بين الجنوبيين .. لذا يتم إظهار"عناصر الصراع" إعلامياً ويغيب عناصر التقارب وقبول الآخر ، وهو الامر الذي يعطل اهم مبدأ قام عليه الحراك الجنوبي، التسامح والتصالح.

لذا!! لا تستعجلوا في توسيع ألهوه بين المملكة والجنوب ، او بين الجنوب واي دولة خليجية ، وارموا العاطفة بعيداً، فالإشكاليات التي عشناها مع المملكة عبر التاريخ كله تكاد الا تذكر مقارنةً بحروب المملكة مع اليمن (الشمال)، اي ان حروب الجنوب مع المملكة تاريخياً هي اقل الحروب بالمنطقة العربية كلها ، وحدثت بعد عام 1967 فقط .. (معركة الوديعة اليتيمة والتي استمرّت ثلاث ساعات فقط)، وعلينا ان نعرف سبب عدم وجود اي حروب بين الجنوب والمملكة؟!

السبب ان الجنوبيين والمملكة روابطهما اوثق وأعمق بكثير: عقيدة واحدة ، وحدود هادئة، تاريخياً ومفتوحة لتنقل الشعبين .. ومهما أثرت أيديولوجية نظام الجنوب السابق السياسية(1967-1990).

لكن المملكة لم تكن عدوا للجنوب والعكس صحيح .. بل وجمعتهما الحروب ضد الغزوات اليمنية .. لكن (الشمال)اليمن، عكس ذلك تماما.

فتاريخيا إذا توقفت الحروب العسكرية بين المملكة واليمن تأتي الحروب السياسية وهكذا دواليك، لماذا؟! لان الفرق الشيعية التي تداولت حكم صنعاء طوال ألف عام كانت هي الحاكمة ، تلك "الفرق"تعتبر المملكة والجنوب العربي خطر عليهم!! ، ووصلت تلك العداوة اليوم إلى محاولات أولى لاستمرار احتلال الجنوب .. ومحاولات اخرى لتعكير العلاقة بين الجنوب والمملكة.

هل الحروب بين الجنوب والمملكة من جهة واليمن من جهة اخرى ستتوقف؟! أقول لا ، ولكن احياناً ضعف نظام صنعاء ممكن يحول العداوة إلى حروب سياسية مؤقتة؟! .. لكن الجنوب والمملكة عكس ذلك تماماً؟! .. لا توجد معارك عقدية ولا مذهبية بينهما، ولم نصورها يوماً وكأنها عدو حتى عندما اختلف النظامان في عدن والرياض في النصف الثاني من القرن الماضي؟!.

واتضح لدينا جيداً انه وبعد إعلان اتفاقية الوحدة بين الدولتين(1990) {حالياً: 30 مليون مقابل 8 مليون)، وبعدها اصبح الجنوب صعب يدافع عن نفسه بدون إسناد من المملكة ودول الخليج؟! لماذا؟! لان اتفاقية 90 أكسبت اليمن شرعية شكلية ويكرر غزواته على الجنوب تحت هذا المستمسك، الشرعية .. رغم ان الشرعية قد نزعت منهم بعد عام 2015 .. والمملكة تعرف جيداً ان افضل دولة تنسجم معها هي الجنوب.

حالياً سيظل الحوثي يماطل في اي تفاوض مع المملكة لان عينه على الجنوب(البحر والثروات) .. وهذا داء العظمة لن يتنازل عنها إلا بخسارة جديدة في الجنوب كما حصل ذلك للدولة القاسمية .. ويمكن يتنازل مؤقتة بموافقة "الشرعية" لإشراك الأحزاب السياسية اليمنية بحكم صنعاء مقابل ضم الجنوب (كشرط أساسي)، لكي يندفع من الجنوب نحو البحرين العربي والأحمر والمحيط الهندي ليرتبط بحرياً بايران .. وسترسم خرائط نفوذ وحروب جديدة كحروب مضيق هرمز.

لذا الجنوب في الوقت الحالي هو الذي يصنع التوازن البحري في مضيق باب المندب وبحر العرب في جنوب الجزيرة العربية … والحمد لله اليوم قرار المملكة والجنوب ليس مفتتاً أبدا ، فهو قرار واحد كما كان عبر التاريخ ، والأخطاء ستصحح بإذن الله .. ونحن هنا ننسق بنشاط واسع النطاق لمعالجة القضايا المهمة والأخطاء، والتحضير لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي .. ولن تنجح أصوات داخل "الشرعية" في تفتيت الجنوب او طعن العلاقة التاريخية المتينة بين المملكة والجنوب في خاصرتها.

كما ان القيادة السعودية صنعت نموذج دولة حديثة في الشرق الأوسط وحتماً سيلتحق الجنوب واليمن بمجلس التعاون الخليجي وفق ذلك النموذج وستسقط حكايات المحتل المزورة(الجنوب فرع من اليمن) وتتوقف الحروب التي تشن ضد الجنوب لنهب ثرواته وابادة سكانه.

لذا لم يتبقى غير القليل لتحقيق حلم شعب الجنوب ونقف اليوم(كما ذكرت في تغريدات سابقة) في النصف الثاني من الطريق بعد ان تجاوزنا اخطر العقبات على الاطلاق، سواء كانت عقبات صنعتها الأحزاب اليمنية او عقبات ضربت دول مجلس التعاون الخليجي كحرب ايران والتي يشتبه هي الاخرى ان تكون مصطنعة ، او عقبات غذيت ايديولوجياً عدة سنوات لتأزيمها، وكذا كافة التفاصيل والملفات التي تعرقل اي تقدم في العلاقة بين الجنوب والمملكة.

الصراع التاريخي بين الأئمة في اليمن والسعودية لم يكن نزاعا حدوديا كما يصوره البعض، بل نزاع الفرق الشيعية في اليمن والسنة النبوية الشريفة في السعودية والجنوب .. والصراع الحديث كان سببه عقدي من جهة وافكار قومية وماركسية من جهة اخرى.

وهناك سؤال : لماذا لم تقف المملكة مع الجنوب أثناء الكفاح ضد بريطانيا وبعد الاستقلال؟!
الرد: جاء في مذكرات باسندوة: قال الملك فيصل عندما قابله باسندوه: "وهل هذا سيكون لصالح شعبكم عندما ادعم الافكار القومية والماركسية؟!."

وكانت المملكة قد وقفت في 1962 مع الإمام البدر لمواجهة المد الناصري والبعثي في صنعاء والماركسي الذي ظهر في بعض مناطق الجنوب .. ولكي لا يظل الصراع قائما باركت المملكة الجمهورية فيما بعد، عندما عرفت أنها خالية من الأحزاب القومية .. إذن علينا ان نتغير بتغير الوضع الراهن ومتطلباته وان لا نلعب بأوراق مرحلة الستينات في هذه المرحلة.

وفي الختام!! أود أن أقول جازماً ان أدوات الفشل الحالية هي من بقايا تلك المراحل ولا اظنها انتهت عند البعض في الدولتين .. ويسأل البعض هل يمكن لنا جميعاً ان نعي نوايا الحوثي والأحزاب وأطماعهم في الجنوب والمنطقة؟! .. ونعي كذلك ان المملكة ليست كغيرها من بقية دول الخليج، وبالتالي فيما لو تحقق فك الارتباط فلن يكون إلا بثمن ينسجم مع حجمها الدولي.

وحتى يحين ذلك، فلن يتوقف الحوثي والأحزاب اليمنية عن إحاكة المؤامرات بيننا وبين المملكة كنوع من أنواع الضغط والرفض لفك الارتباط، او في اسواء الأحوال نوع من أنواع البحث عن بديل يقبل الفيدرالية بعيدا عن الهدف الذي سنظل ما حيينا متمسكين به.

ودمتم ودامت المملكة وقيادتها الحكيمة والجنوب شامخان وبخير .