الحروب غير المرئية لاستعادة الدولة الجنوبية

منبر عدن - خاص

لسنا في الرياض نخوض حربا بالسلاح، ولا نرفع المتاريس، ولا نحشد الجيوش، بل نخوض حروبا أعقد وأخطر : حروب العقل والإرادة والسردية والسياسة والتاريخ.
هي حروب صامتة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها معارك تأسيسية تحدد إن كنا سنستعيد دولتنا بوعي أو سنخسرها بضجيج الأخطاء.

حرب كسب الشقيق الأكبر: شرط الدولة الممكنة

ندرك بواقعية تاريخية أن دولتنا الجنوبية لن تستعاد بالخطابات وحدها، بل بالشراكة مع الشقيق الأكبر، لأن الجغرافيا والسياسة والمصالح الاستراتيجية تفرض منطق التحالف لا منطق المغامرة.
هذه ليست تبعية، بل حكمة سياسية؛ فالدول لا تُبنى بالقطيعة بل بالتفاهمات الكبرى.

حرب تثبيت الأمن وإفشال مخطط الفوضى

نعرف أن العدو الحقيقي لا يخشى الرصاص بقدر ما يخشى الاستقرار.
الفوضى هي سلاحه الأول، وإذا فشل في كسر الجنوب عسكريا، سيحاول كسره اجتماعيا وأمنيا.
لذلك فإن تثبيت الأمن ليس إجراءً أمنيا فقط، بل مشروعا سياديا لحماية فكرة الدولة ذاتها.

حرب الحفاظ على الوحدة الوطنية الجنوبية

الوحدة الجنوبية ليست شعارا عاطفيا، بل شرط وجود.
تفكك القوات الجنوبية يعني تفكك القرار، وتفكك القرار يعني سقوط المشروع.
إن أعظم ما نواجهه ليس العدو الخارجي، بل الانقسام الداخلي حين يتحول إلى عقيدة أو مكاسب شخصية.

حرب تهيئة الأجواء للحوار الجنوبي

الحوار ليس حدثا إعلاميا، بل عملية تاريخية لإعادة صياغة الوعي الجمعي.
تهيئة الأجواء تعني خفض لغة التخوين، وتوسيع مساحة العقل، وتحويل الخلاف من صراع وجود إلى اختلاف رؤى.
الحوار هو طقس عبور من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة.

حرب مواجهة التخوين والمزايدات

في كل مشروع تحرري، يظهر من يزايد ومن يخوّن.
المزايد يرى السياسة خيانة، والخائن يرى السياسة وطنا.
واجبنا أن نثبت أن البراغماتية ليست خيانة، وأن الحكمة ليست ضعفا.

حرب إفشال مخططات العدو لإفشال الحوار

العدو يعرف أن توافق الجنوبيين أخطر عليه من أي معركة عسكرية.
لذلك سيسعى لاختراق الصفوف، وتأجيج الخلافات، وصناعة رموز للتفكيك.
هنا يصبح الوعي السياسي خط الدفاع الأول عن المستقبل.

حرب تغيير السردية الإعلامية تجاه القضية الجنوبية

القضية لا تنتصر بالسلاح وحده، بل بالسردية.
فإذا لم نُقنع الأشقاء بعدالة قضيتنا، فلن نحصل على دعم استراتيجي دائم.
السردية هي ساحة الحرب الأهم في العصر الحديث، ومن يخسر الرواية يخسر الشرعية.

حرب كسب النخب وتعريفهم بحساسية المرحلة

هذه مرحلة تشبه اللعب بالحجر والبيضة:
خطأ صغير قد يكسر الحلم الكبير.
والنخب ليست ترفا فكريا، بل محركات قرار، وإذا لم تفهم خطورة اللحظة، قد تصبح جزءا من المشكلة بدل أن تكون جزءا من الحل.

حرب الحفاظ على مؤسسات الدولة والخدمات

الدولة لا تُقاس بالخطابات بل بالخدمات.
المواطن لا يشعر بالدولة عبر الشعارات، بل عبر الكهرباء والماء والأمن والراتب.
الحفاظ على الحد الأدنى من المؤسسات هو إعلان عملي بأن الدولة ليست حلمًا بل واقعًا قيد التكوين.

حرب قصقصة مخالب المتنفذين والالتفاف حول المخلصين

لا يمكن بناء دولة مع شبكات فساد قوية.
المعركة ضد الفساد ليست أخلاقية فقط، بل سيادية.
قصقصة أجنحة المتنفذين هي تحرير للقرار الوطني من الابتزاز الاقتصادي والسياسي.

حرب جمع الشتات وجبر الضرر وتوحيد الرؤى

التاريخ ترك جراحا عميقة في الجنوب، ولا دولة تُبنى على ذاكرة مكسورة.
جبر الضرر ليس مجاملة، بل ضرورة سياسية لبناء عقد اجتماعي جديد.
وحدة الرؤية تحت قاعدة الخيار للشعب هي الضمانة الوحيدة بأن الدولة القادمة لن تكون دولة نخبة بل دولة شعب عادلة .

خلاصة المعركة

ما نخوضه اليوم من الرياض ليس ترفا سياسيا ولا صراع نفوذ، بل مرحلة تأسيس تاريخية.
هي حرب على الزمن، وعلى الأخطاء، وعلى العاطفة غير المنضبطة، وعلى الاستعجال، وعلى الفوضى، وعلى الذاكرة المجروحة.

نحن لا نقاتل لننتصر في معركة، بل لنؤسس دولة.
والدولة لا تُبنى بالصراخ، بل بالعقل، والحلم، والوفاء، والحرص، والذكاء، والتواضع أمام التاريخ .

إنها حرب الحكماء ضد الفوضى، وحرب المستقبل ضد الماضي، وحرب الدولة ضد الشتات.

مقالات الكاتب