27 أبريل .. جرح جنوبي يتجدد
يظل يوم إعلان الحرب على الجنوب في 27 أبريل 1994 جرحًا مفتوحًا في وجدان شعبنا الجنوبي العظيم؛ انكسرت فيه معاني الشراكة، وتحول فيه مشروع الوحدة من مشروع طوعي إلى احتلال قهري فرض بالقوة. ومنذ ذلك التاريخ، استمرت تداعيات تلك الحرب، وتراكمت في تفاصيل حياة شعبنا سياسيًا واجتماعيًا، لتصوغ مسارًا مثقلًا بالمعاناة والإقصاء.
في هذا اليوم، تم تقويض المضمون الحقيقي للوحدة، وتفكيك التوازنات التي قامت عليها دولة 22 مايو 1990، ليتم تكريس نمط أحادي في الحكم همّش شريكًا رئيسيًا في معادلة الوحدة، وأقصى قطاعات واسعة من شعب الجنوب من المشاركة في السلطة والثروة، فضلًا عن استباحة الأرض، ذلك الإعلان الكارثي كان النواة الأولى لنشوء قضية شعب الجنوب، في ظل فشل المعالجات اللاحقة لإزالة آثار الحرب، التي ظلت حبيسة الخطاب الرسمي دون أن تترجم إلى سياسات حقيقية تلامس جذور الأزمة، وتعيد الحقوق، وتعالج الاختلالات.
وبفعل هذا الإخفاق، أخذت الأزمة أشكالًا أكثر تعقيدًا، ومع تراكم الإخفاقات تلو الإخفاقات دخلت البلاد في دوامات من الصراع، توجت بغزو مليشيا الحوثي الإرهابية للجنوب في 2015، والتي فتحت فصلًا أكثر قسوة ودموية في تاريخ الجنوب المعاصر، ليكشف لنا مسار هذه الأزمات أنها لم تكن سوى حلقات في سلسلة واحدة، يعيد فيها الفشل إنتاج نفسه، وتتحول معها محاولات الحل إلى تأجيل مؤقت للأزمة لا أكثر.
إن استحضار هذه الذكرى ينبغي أن يكون مدخلًا لإعادة التفكير في الأسس التي تُبنى عليها الدول؛ فالوحدة، كأي مشروع، تُصان بالعدالة والشراكة والاعتراف المتبادل وليس باستخدام القوة وشن الحروب. كما أن شعب الجنوب لم يأتِ بأمر خارج عن سياق التاريخ السياسي والإنساني؛ فهو ليس أول شعب خاض تجربة وحدوية فاشلة، ولا أول من طالب باستعادة دولته وتقرير مصيره. وإذا لم يُعاد الاعتبار لهذا الشعب وتلبّ تطلعاته، فإن التاريخ سيظل مفتوحًا على احتمالات تعيد إنتاج المأساة في دورات متكررة، وإن اختلفت عناوينها.
ومن هنا، يفرض علينا—كجنوبيين—استحضار هذه المسارات بوعي أعمق، والتقاط اللحظات الممكنة للانتصار لعدالة قضيتنا الوطنية. وفي هذا السياق، يبرز الحوار الجنوبي، الذي يأتي برعاية كريمة من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، بوصفه فرصة تاريخية نادرة، ومدخلًا رئيسيًا للانتصار لقضية شعب الجنوب، ولتوحيد الصف وإعادة بناء موقف جنوبي جامع تجاه مستقبل القضية، وذلك في ظل ما تمتلكه السعودية من ثقل سياسي وتأثير إقليمي ودولي، وقدرة على رعاية التفاهمات وصياغة أطر قابلة للاستمرار.
إن نجاح الحوار الجنوبي مرهون بقدرتنا على صياغة مشروع جامع يعبر عن تطلعات شعب الجنوب، مستفيدًا من اللحظة الإقليمية والدولية، ومن إدراك متزايد بأن استقرار اليمن—وبدرجة رئيسية الجنوب—لم يعد شأنًا محليًا صرفًا، بل جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها اعتبارات الأمن والاقتصاد والجغرافيا السياسية، إذ لا يمكن إغفال أن تجاهل هذه الحرب أبقى آثارها ممتدة ومتفاقمة لسنوات؛ لم تقتصر تداعياتها على الجنوب فحسب، بل تجاوزته إلى دوائر الأمن القومي الإقليمي والدولي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودول الخليج، لما تمثله من أهمية استراتيجية في معادلة الاستقرار.
وبين واقعية التحديات وأمل الممكن، يظل هذا المسار نافذة للتفاؤل، وخطوة قد تنصف شعبنا الجنوبي وتعيد حقوقه، كما تعيد تعريف المسار، ليس في بلادنا وحدها، بل في محيطنا الإقليمي بأسره.
