الأوهام والخرافات… حين يلتبس الحق بالباطل

منبر عدن - خاص

إن الإسلام دين الحق، ومن أعظم مقاصده تحرير العقول والقلوب من سلطان الأوهام والخرافات، ومحاربة العقائد الباطلة، والتصورات الفاسدة، وكل ما يصرف الناس عن التوحيد والعلم واليقين. وقد قصّ الله علينا أخبار الأمم السابقة، مبينًا كيف أفسدت الخرافة عقائدهم، حتى عبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئًا، قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾.
-#ومن صور هذا الانحراف::#ما وقع فيه بعض غلاة الطرق الصوفية من الغلو في القبور والصالحين، بدعائهم والاستغاثة بهم والذبح والنذر لهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. #وكذلك ما وقع فيه غلاة الرافضة من دعوى العصمة لأئمتهم، ونسبة خصائص لا تكون إلا لله، كعلم الغيب، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
-#غير أن الخلل لا يقف عند أبواب العقائد الشركية الظاهرة، بل قد يتسرّب إلى بعض الأبواب الشرعية نفسها، فيختلط الحق بالوهم، والعلم بالخرافة. 
-#فالإيمان بالجن والسحر أصلان ثابتان بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة، إلا أن من الأوهام في هذا الباب :
-الغلو في تعظيم خطر الجن، حتى يُظن أنهم يملكون بالمس قدرة مطلقة على التحكم بالإنسان والتصرف في حياته، بينما يطمئن الله عباده بقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فالشيطان لا يملك سلطانًا حقيقيًا، وإنما وسوسة وتزيينًا{ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} ويضعف أو يزول أثر المس بالذكر، وقد دلت النصوص أنه إذا سمى العبد ربه تعالىٰ لم يقرب الشيطان طعامه ولافراشه ولايدخل بيته، ولايزال عليه من الله حافظ ماقرأ نحو المعوذات وآية الكرسي واعتصم به سبحانه.

-#وكذلك السحر، فهو حقيقة ثابتة لا ينكرها مسلم، لكن حين عظم الله من تأثيره قال سبحانه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾،وهو مايعرف بسحر الصرف، وعكسه سحر العطف، ثم عقب بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ليبين أن أثره محدود بمشيئة الله، وليس قوة مستقلة أو قدرة مطلقة.
-#ومن الخرافات المنتشرة الاعتقاد بأن السحر يغيّر حقائق الأشياء، كإمكان تحويل القط كلبا، بينما القرآن يرد ذلك بقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، وقوله: ﴿وَسَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. وبذلك أقام موسى عليه السلام حجته على السحرة بأن جعل الله آيته المعجزة للسحرة حقيقة لا تخييلاً، ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾قال ابن كثير: "أي ظاهر بيّن لا خيال فيه".

-#و "العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين "، كما ثبت في الصحيح،، وأما حديث :"وإنها لتدخل الرجل القبر، وتولج الجمل القدر" فلا يصح سنده.
،-#ومن الخطأ تحويل العين إلى تفسير جاهز لكل مرض، أو تعليق كل فشل وخسارة عليها، حتى يعيش الناس في دائرة الاتهام والوسواس. فليس كل جميل محسودًا، ولا كل مريض معيونًا، وكل ذلك لا يقع إلا بقدر الله ومشيئته، لا بقوة مستقلة عن إرادته سبحانه.

-#والرقية الشرعية، - أيضا - حق ثابت، وتلاوة القرآن والأذكار والدعاء من أعظم أسباب شفاء القلوب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾. فالقرآن شفاء لما في القلوب من الشبهات والهموم والأحزان والأدواء المعنوية، وقد يكون سببًا في شفاء بعض أمراض الأبدان الحسية بإذن الله، لكن من الخطأ جعله بديلًا مطلقًا عن الطب الحديث في أمراض كالفشل الكلوي وأمراض القلب والسرطان، مع ترك التشخيص والعلاج الطبي. 
-#ومن الأوهام تعليق الرقية بالرقاة، فضلا عن كونها أكثر من تعلقهم بالله، مع أن رقية المسلم لنفسه، أو رقية والديه له، قد تكون أصدق وأخلص وأبعد عن فتن الجهل والتكسب والتعالم. وكثير مما يُظن أنه مسّ أو عين قد يكون سببه أمراضًا عضوية أو نفسية، كاضطرابات القولون، أو الغدة الدرقية، أو الأمراض النفسية والعقلية، نسأل الله العافية. ولذلك قال النبي ﷺ: "تداووا عباد الله"، رواه أحمد وهو في الصحيحة. 
-#كما من الإثم والضلال مايحصل من بعض السفهاء مع النساء من ملامسة الأجسام وتقارب الأنفاس، وكذا عذابات الضرب والخنق والصعق، وتصديق مايكون من الجان أو على لسان المريض من أذى، أو تحايل منهم لتعطيل الحقوق والحدود.، كتبرير الجرائم و الفواحش.

-#ومثل ذلك ما شاع في باب الطب البديل والأعشاب، فالأعشاب - ولاشك - نافعة، لكن القول: "إنها إن لم تنفع فلن تضر" ليس قولًا علميًا على إطلاقه، فقد ثبت أن بعض النباتات العشبية قد تتداخل مع الأدوية، أو تؤثر على الأطفال أوالحوامل، أومرضى الأمراض المزمنة، ومن هنا كان الواجب الرجوع إلى أهل الاختصاص، وعدم تحويل الطب الشعبي إلى يقينيات مطلقة.

-#وكذلك العسل والحجامة والكي، فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي". فجعل لكل داء مايناسبه من أنواع الشفاء، وقد نقل المناوي في فيض القدير عن القرطبي :"أن تخصيص هذه العلاجات إنما هو باعتبار كونها من أنفع ما عُرف في بيئتهم وعادتهم، ولا يلزم أن تكون كذلك على الإطلاق في كل زمان ومكان" . وقال سماحة الشيخ ابن باز :" إن هذه من أسباب الشفاء عند الحاجة إليها"، وقد جمع ﷺ بين التوكل والأخذ بالأسباب، فتداوى، واحتجم، - واكتحل، وأمر بالتداوي، وثبت أنه ﷺ احتجم، لكن أهل الطب ينبهون إلى أن الإفراط فيها، أو استعمالها في مواضع حساسة كالرأس بغير خبرة، قد يؤدي إلى مضاعفات صحية، كما لايجوز المبالغة بدعوى انها علاج لكل الأمراض. 
-#وكذا ثبت ان أعشاب السنة، والحبة السوداء شفاء من كل داء، لكن  من قواعد اللغة أن "عموم كل شيء بحسبه" ، أي بحسب مايصلح له، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره عن العسل، قال : "فهو شراب مبارك فيه شفاء من أمراض عديدة بإذن الله. يداوي الأدواء الباردة، وفسره العلماء بأنه "شفاء" وليس "الشفاء" (للكل) لبيان أنه دواء لأمراض معينة قد يمنع الشفاء منها قلة الكمية أو نوع المرض.

-#وفي باب الرؤى والأحلام، فقد ثبت في الصحيحين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال :"إن الرُّؤْيَا ثَلاثَةٌ : فَالرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ" ، والمنبغي للرائي مايكره : أن يعلم أن هذا الحلم إنما هو من الشيطان يريد إحزانه، فليرغم الشيطان ولا يلتفت إليه، وليستعذ بالله منه، وأن ينفث عن يساره ثلاثا، وأن لا يحدث بها أحدا، ويتحول عن جنبه، وليصل، فإنه إن فعل  ذلك لاتضره.،و أن يحذر من تصديق هذه الرؤى وكأنها حق يقين، و من سيطرة الخوف على الرائي حتى يفسد عليه حياته، ومن كثرة التردد على معبري الرؤى من يحسن ومن لايحسن،  وبناء الأحكام والمواقف عليها.

-#وخلاصة الأمر:  أن من جمال الإسلام وكماله قيامه على الحقائق، ومحاربته للغلو والبدع والخرافات، ورفض تحويل الحقائق الشرعية إلى أوهام شعبية، أو تجارة، أو تهويل. فالجن حق، والسحر حق، والعين حق، والرقية حق، والعلاج بالاعشاب والحجامة حق، والرؤيا الصالحة حق، لكن الحق إذا جاوزه الناس بالغلو أو الجهل، تحول في الأذهان إلى خرافة. ومن هنا كان الواجب الجمع بين صدق الإيمان، وصحة الفهم، وفقه النصوص، والأخذ بالأسباب الشرعية والعلمية والطبية. فالخرافة لا يهزمها مجرد الإنكار، وإنما يهزمها التوحيد، والعلم، والبصيرة.والله الموفق والمستعان.