الدولة والحوثيين في اليمن
تصر جماعة الحوثيين على إبقاء اليمن في شرك الارتهان الجيوسياسي وانكفاء المؤسسات ، فمنذ اللحظة التي مارست فيها جماعة الحوثيين تقويضا قسريا لبنية الإدارة العامة ومؤسسات الدولة في صنعاء وغزو تعز والجنوب ، دخلت الجغرافيا اليمنية نفقاً مظلما يُصنف كأحد أعقد المآزق الإنسانية والسياسية في التاريخ المعاصر.
لم يكن انقلاب الحوثيين على الدولة في صنعاء مجرد تغيير في هرم السلطة ، بل كان تحولا جذريا نحو عسكرة الفضاء العام ، وتعطيل منظومة الاقتصاد الوطني ، وتحويل مقدرات البلاد إلى وقود لـ صراع مستدام لا يخدم في جوهره سوى استمرارية الجماعة وإعادة إنتاج نفوذها على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب اليمني .
استراتيجية التدمير وسيكولوجية التصعيد
سلوك سياسي وعسكري لهذه الجماعة ومرادفا لسلسلة من الأزمات المركبة ، بدءاً من القمع الهيكلي وتقييد الحريات العامة ، وصولا إلى الانتهاكات الممنهجة المتمثلة في عسكرة الطفولة وزرع حقول الألغام العشوائية ، واستهداف لكل مصادر الوعي والتعليم .
إن هذا السلوك يعكس استراتيجية ثابتة تقوم على إدارة الأزمات بالتصعيد ، فكلما لاحت في الأفق بارقة حل سياسي أو مقاربة دبلوماسية لرأب الصدع ، عمدت الجماعة إلى تصفير العداد السياسي والعودة إلى المربع العسكري ، مما يضاعف الكلفة الإنسانية والاقتصادية ويقوض البنية التحتية المتهالكة أصلا .
اعتمدت الجماعة منهج وسياسة مأسسة وشرعنة الانهيار وتغييب للقانون ونشر الفوضى في اليمن وهو مشهد كارثي ليس نتاجا لارتدادات عرضية ، بل هو نتاج حتمي لمنطق سلطة الأمر الواقع المليشياوية التي تحل محل منطق الدولة والقانون ، وفي ظل هذا التآكل المؤسسي ، نشأت حالة من الانهيار الهيكلي للخدمات الأساسية ، والانكماش الحاد في المؤشرات الاقتصادية ، مصحوباً بانهيار تاريخي للقوة الشرائية للعملة الوطنية.
هذه البيئة الطاردة للتنمية حوّلت ملايين المواطنين من فاعلين اقتصاديين إلى ضحايا لفقر متعدد الأبعاد .
قراءة كل مايتم يجعلك تقتنع بأن ما يحدث يأتي ضمن الوظيفية الإقليمية التي تؤدي إلى فقدان السيادة
والارتهان الاستراتيجي لـ الأجندة الإيرانية ونزع القرار اليمني المحلي ، وإلحاقه بـ محاور إقليمية عابرة للحدود تعمل ضمن استراتيجية وحدة الساحات وآداء المهام الموكلة من قبل حرس إيران الثوري ،وبدلا من صياغة مواقف تلبي المصالح العليا لليمنيين ، جرى توظيف الجغرافيا اليمنية كمنصة لإرسائل الرسائل الصاروخية وتصفية الحسابات الإقليمية بالوكالة.
هذا الاندماج في صراعات المحاور عزل اليمن دبلوماسيا واقتصاديا ، وجعل الشعب وحده من يتحمل الفاتورة الباهظة لطموحات القوى الخارجية .
ملاحظة تحليلية : إن تحويل الدولة من فاعل سيادي إلى ساحة بالوكالة يمثل التهديد الأكبر لمفهوم الأمن القومي العربي في جنوب شبه الجزيرة العربية.
لم يتوقف الأمر عند حدود التدمير المادي ، بل امتد لضرب مبدأ الثقة والمصداقية في أي مسار تفاوضي ، حيث تحولت الاتفاقيات السياسية والهدن الإنسانية في العقيدة العسكرية للجماعة إلى مجرد تكتيكات التقاط أنفاس وإعادة تموضع ، يعقبها جولات أكثر ضراوة من التصعيد .
إن هذا السلوك العدمي أفرغ العملية السلمية من مضمونها ، وأضعف ثقة المجتمع الدولي والداخل اليمني في إمكانية الوصول إلى تسوية تاريخية شاملة ومستدامة.
في نهاية المطاف ، سيتجاوز التاريخ السرديات الأيديولوجية والشعارات التعبوية ، ليقف أمام الواقع و الأرقام والحقائق الصادمة :
أجيال كاملة حرمت من حقها الطبيعي في التعليم والنمو السليم .
نزوح قسري وهجرة داخلية ومجاعة تهدد الملايين .
تحول اقتصاد واعد وموقع جيواستراتيجي فريد كان يمكنه أن يكون رافعة لتنمية الإقليم إلى اقتصاد مشوه ومنهك يعتمد على المساعدات واقتصاد الظل .
إن قراءة الواقع بعين مجردة تؤكد أن استمرار بقاء السلاح خارج الأطر السيادية ، والقبول بـ الحالة المليشياوية كأمر واقع ، لا يعني سوى مأسسة وشرعنة الانهيار وإطالة أمد المعاناة الإنسانية .
إن استشراف المستقبل يفرض حقيقة بنيوية واحدة بأنه لا خروج لليمن من أزمته المركبة إلا باستعادة احتكار الدولة الشرعية لأدوات العنف والقوة ، وإعادة الاعتبار للمؤسسات والقانون ، والقطع الكامل مع المشاريع التخريبية التي يقودها حرس طهران .
وينبغي أن نؤكد بقناعة على أن الدولة المستقرة هي الضامن الوحيد للمواطنة والتنمية ، والأمن الإقليمي والدولي .
