الجنوب أمام مفترق طرق
لم يعد الجنوب اليوم يواجه تحديات محلية فحسب بل يقف في قلب تحولات إقليمية ودولية متسارعة جعلته أحد أهم مفاتيح الأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي. فموقعه الجغرافي وثرواته وموانئه الاستراتيجية جعلته ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية الأمر الذي يفرض قراءة واقعية للمخاطر وترتيب الأولويات بعيدا عن الانفعالات والخلافات الثانوية .
يشرف الجنوب على مضيق باب المندب أهم الممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة ما يجعل استقراره قضية تتجاوز حدوده إلى أمن الخليج والمنطقة والعالم ولذلك فإن أي مشروع يسعى للسيطرة على الجنوب لا يستهدفه وحده بل يستهدف امتلاك ورقة ضغط على الملاحة الدولية والأمن الإقليمي .
الحوثي ... من خطاب المظلومية إلى مشروع الهيمنة وتنفيذ الأجندات الإيراني وقدم الحوثي نفسه قبل عام 2014 كحركة تطالب برفع المظالم وتحقيق الشراكة السياسية لكنه بعد السيطرة على صنعاء انتقل إلى احتكار السلطة بقوة السلاح وإقصاء خصومه وتفكيك مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات تخدم مشروع الجماعة الموالية لإيران كما أن الجماعة التي كانت سابقا تهاجم ما تسميه "قوى 7 يوليو" قادت بعد أشهر فقط السطو على الدولة في اجتياح الجنوب سنة 2015، في تحول كشف انتقالها من خطاب الاعتراض إلى مشروع توسعي قائم على فرض السيطرة بالقوة .
أبعاد المشروع الحوثي
البعد العسكري :
بناء قوة عسكرية موازية للدولة وتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة وربط القرار العسكري بمشروع إقليمي يتجاوز حدود اليمن .
البعد السياسي :
احتكار القرار وإضعاف مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات تخدم الجماعة بدلاً من خدمة المواطنين والسعي بكل الطرق لاحتلال الجنوب .
البعد الأيديولوجي والديني :
يقوم المشروع الحوثي على تعبئة طائفية منظمة لترسيخ الولاء العقائدي للجماعة قبل الدولة وربط أتباعه بولاء سياسي وعقائدي مطلق لإيران بما يجعل تنفيذ الأجندة الإيرانية جزءا من مشروعه.
ويُستخدم هذا الخطاب في الحشد والتجنيد وإعادة تشكيل الوعي بما يعمق الانقسام المجتمعي ويطيل أمد الصراع ويغرس الطائفية .
البعد الاقتصادي :
السعي للسيطرة على الموارد العامة والموانئ وخطوط الملاحة بما يوفر مصادر تمويل دائمة ويمنح الجماعة أدوات ضغط على الداخل والخارج.
لماذا يحتاج الجنوب إلى وحدة الصف ؟
أثبتت تجربة عام 2015 أن تلاحم الجنوبيون كان العامل الأبرز في مقاومة الغزو الحوثي واليوم لا تقل خطورة الانقسامات الداخلية عن التهديدات العسكرية لأن الخصوم يستثمرون أي خلاف لإضعاف الجبهة الداخلية لذلك فإن إدارة التباينات بالحوار بين الجنوبيين وتقديم المصلحة الوطنية يمثلان خط الدفاع الأول عن الجنوب لحماية الجنوب حتى لا يذهب إلى سيناريو الأنبار المظلم .
الدعم العربي والخليجي... ضرورة استراتيجية
يشكل التعاون مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج ركيزة أساسية لاستقرار الجنوب سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي أو التنموي فاستقرار الجنوب يحمي أمن الخليج ويؤمن الممرات البحرية ويحد من تمدد المشاريع المسلحة التي تهدد المنطقة بأكملها.
وعلى هذا الأساس تفرض المرحلة إدارة العلاقات الإقليمية بحكمة وتجنب فتح خصومات متعددة في وقت واحد مع السعي إلى بناء قنوات تواصل وتفاهم مع مختلف الأطراف كلما أمكن بما يعزز تماسك القوات الجنوبية لحفظ المصالح الوطنية والاستقرار .
كيف يتجنب الجنوب سيناريوهات الفوضى ؟
يتطلب ذلك بناء مؤسسات قوية وتوحيد القرار الأمني والعسكري وتحسين الاقتصاد والخدمات وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية فالدول لا تحميها القوة العسكرية وحدها بل تحميها المؤسسات والاقتصاد والشرعية السياسية .
خطر استمرار الحوثي
إن استمرار سيطرة الحوثي على صنعاء وشمال اليمن لا يمثل أزمة يمنية فحسب بل يشكل مصدر تهديد دائم للأمن الإقليمي والملاحة الدولية كما أن الخطاب الصادر عن الجماعة ومواقفها خلال السنوات الماضية والتعبئة والحشد الأخير يعكس تمسكها بخيار إخضاع الجنوب بالقوة متى سنحت الظروف وهو ما يجعل الحفاظ على الجاهزية ووحدة الصف ضرورة وطنية بالتوازي مع دعم أي مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الصراع واستعادة الدولة .
الخاتمة
قوة الجنوب لا تقوم على السلاح وحده بل على وحدة الصف وبناء مؤسسات فاعلة واقتصاد قادر على الصمود وتحالفات تُدار بحكمة فالمرحلة القادمة لن تحسمها القوة العسكرية فقط بل سيحسمها الوعي الوطني والقدرة على توحيد الجبهة الداخلية وتحويل الموقع الاستراتيجي للجنوب إلى مصدر قوة واستقرار لا إلى ساحة صراع دولية مفتوحة .
