من أخبار اللَّحُوْح

منبر عدن

كتبه: نادر سعد بن حَلْبوب العُمَري
==============

يتنوع الخبز بتنوع البلدان والشعوب، ولكل شعب أصناف من الخبز تعدُّ جزءًا من ثقافتهم وهُويّتهم، تتوارثها الأجيال، ولا يجدون اللذة والشِّبَع في غيرها كما يجدونه فيها.

ومن أصناف الخبز الشائعة في البلدان اليمانية الجبلية والسهلية والساحلية خبزٌ رقيق يسمونه (اللَّحُوْح)، تكون عادةً في طعام الصَّبوح، وقد يأكلونها عشاءً، لا سيما في الأعياد والمناسبات، وعند زيارة النُّفساء بعد ولادتها، أما في رمضان فهي حاضرة تتصدر موائد الإفطار. وهذا النوع من الخبز موجود أيضًا في دول عربية أخرى، كسلطنة عُمان، والسعودية، والعراق، والسودان، والجزائر والمغرب، وإن اختلفت أسماؤه بين بلد وآخر.

وتختلف طرق طباخة اللحوح ومكوناتها اختلافًا نسبيًّا بين البلدان اليمانية، فاللحوح في حضرموت -مثلًا- يُعجن فيه الدقيق بماء كثير مع قليل من الملح، ويوضع في المقلاة سائلًا ويفرش على مساحة المقلاة حتى ينضج، ويُقطّع بعدها إلى قطع صغيرة ويوضع عليها مسحوق من السكر والسمن. (ينظر: حضرموت دراسة إقليمية مصورة، لأحمد التميمي، ص121).

وأورد مطهر الأرياني في "المعجم اليمني"، ص798، طريقة طبخ اللحوح في بلدان وسط اليمن، فقال عن اللحوح: "خمير من خبز الذرة، يكون لينًا، رقيقًا، يكاد يشف عما وراءه، وتثنى الخبزة الكاملة منه حتى تصير بحجم الكف وأصغر، ويؤكل بإدام الحُلبة المركب المعروف، أو مع المرق المحض، وينتشر أكله مع اللبن ‏الحقين المُبَهَّر ائتدامًا أو منقوعًا فيه مع البهارات في أكلة تسمى "الشَّفُوت". وقال عن طريقة طباخته: "عمل هذا الخبز فيه شيء من التعقيد نسبة إلى غيره، فعجينته رقيقة سائلة تسمى الشَّتا، وتعد في إنائها المسمى المَشْتَى، وتخمَّر منذ المساء لتعمل في اليوم التالي في صنع اللحوح الذي يسمى اللَّحيح أيضًا. وعند صُنعه توضع المِلَحَّة أو الصَّلَلة على النار تحتها حتى تحمرّ، ثم يؤخذ الإناء أو المغرفة التي تسمى المَثَر، وهو إناء صغير مثقوب من أسفل بالوسط، فيُسد ذلك الثقب بالإصبع الوسطى لمسك المثر. ويغترف صانع اللحوح من المَشْتى غَرفة من الشَّتا وهو سادٌّ للثُّقْب، وقبل أن يثره على المِلَحّة أو الصَّلَلة وهي طبق واسع من الفخّار مستوي القاع تمامًا، ويقوم بمسح قاع الملحّة بقطعة من القماش مبللة بالزيت حتى لا تلصق اللحوحة، ثم يُرخي إصبعه الوسطى ويأخذ بثرِّ ما فيها من الشَّتا على صَلَلة الملحّة مبتدئا من الوسط، ومنداحًا بشكل دائري نحو جدار الملحة المحيط بها، فيملأ صَللة الملحّة بقرص رقيق شفّاف ينضج بحرارتها فيكون لحوحة، وهكذا يصنع اللحوح أو اللَّحيح لحوحةً لحوحةً".

واللحوح عندنا في يافع يُطبخ من دقيق البُر أو الذُّرة أو الدُّخْن المخلوط مع لبن البقر، مع ملح خفيف، فتُعجَن حتى تصير سائلًا ثخينًا بين الشِّدّة والرِّقّة، وتُطبخ بفرش السائل على مقلاة ساخنة فرشًا خفيفًا، بأداة ملساء، وتُترك عليها بضع ثوانٍ ريثما تنضج وتتماسك، ثم تُقلب على الوجه الآخر وتُترك ثواني معدودة، فتصير ناضجة جاهزة، وتُنقل إلى الصحن، وتُدهَن بسليط الجُلْجُل (زيت السمسم)، وتؤكل بعدها. وإذا خُمّرت عجينته من الليل يسمى عندنا المُشَتّى، وإذا صُنع القرص من العجينة نفسها سميكًا فنسميه (المَشْروع)، وهو من أنواع اللحوح.

وتختلف أحجام اللحوح من بلد إلى آخر، فهناك الصنعاني والتهامي واليافعي والحضرمي وغيرها، واللحوح الصنعاني كبير وسميك، وأتذكر عندما كنتُ طالبًا في صنعاء قبل خمسٍ وعشرين سنة أن النسوة كُن يَبِعنْه في سِلالٍ من الخُوص بجوار السور في بداية شارع تعز قُبالة باب اليمن، ولم أجرِّب أن أتذوقه طوال السنوات الأربع التي أمضيتُها هناك، لأني لا أستمرئ ولا أحب إلا اللحوح اليافعي الذي أراه ألذ أنواع اللحوح وأطيبها، فحجمه صغير، وهو رقيق جدًّا، وناعم كالحرير، تُؤكل اللحوحة الواحدة في لُقمة أو لُقمتين، وسليط الجُلجُل الأبيني اللذيذ يتقاطر منها.

وأقدم مَن ذكر اللحوح حسب علمي هو لسان اليمن أبو الحسن الهمداني (توفي في حدود سنة 360هـ) في "صفة جزيرة العرب، ط الإرشاد، ص303"، إذ أورد هذا النقل: "وكان الفضَّال الدليل يقول: ثلاثة أشياء لا يَسَع فيها إلا الجِد والانكماش دون الرَّخرخة والفتور، فيقال له: وما هي يا أبا يوسف؟ فيقول: مُباضعة العجوز، وأكل اللحوح باللبن، وبريد جلدان، اللحوح ويسمى الصّليح: خبز الذُّرة على الطابق، يكون على رِقة الثياب، لا يحتمل، فإذا وقع في اللبن استرخى فلم يحتمل إلا بأكثر الأصابع، ومع اليُمنى الأدب بكلها".

وكان إطعام اللحوح من الكرم الذي يستحق الذِّكر والشكر، فقد أورد أصحاب التراجم والطبقات اليمنية كالجَنَدي في "السلوك" ج2، ص215، والخزرجي في "العقد الفاخر"، ج2، ص954، وغيرهما في ترجمة أبي محمد سعيد الأديب (توفي 661هـ)، أحد العُبّاد الصالحين، وكان من قرية "الفراوي" في حُبَيْش من مخلاف ذي الكُلَاع (إب) أنه لما تُوفي حضر جنازته كثير من الناس من الفقهاء والعامة، فبات في قريته جمع كثير من الذين حضروا دفنه، فيروى أنه حصل لهم من بعض جيرانهم تَوْرة مملوءة لحوحًا، وإناءً من الزَّوْم، فقام أحد الفقهاء بتوزيع اللحوح على الحاضرين، وقام آخر بتوزيع الزَّوْم، حتى شبع الحاضرون. (التورة: إناء من الخوص. والزوم: إدام رقيق مطبوخ من اللبن الممزوج بالطحين).

ومن طريف ما ذكره المؤرخون كالجَنَدي في "السلوك"، ج2، ص432، والخزرجي في العقد الفاخر، ج3، ص1326 قصة المأدبة التي عملها الأمير شمس الدين علي بن يحيى العَنْسي أحد كبار أقيال اليمن وكرامها في القرن السابع الهجري، وذلك أن هذا الأمير كان يحب الفقهاء والفضلاء ويصحبهم؛ ويصحبونه، وكان كريمًا صاحب مروءة، فعمل يومًا من الأيام طعامًا، وطلب جماعة من فقهاء البلد الذي هو فيه، وكان الفقيه عثمان بن يحيى بن فضل (توفي 663هـ) من جملة الحاضرين، وكان من ضمن الطعام صحن مملوء لحوحًا وزَوْمًا، وكان موضع الصحن في المائدة بعيدًا عن الفقيه، فلما اجتمع الحاضرون على الطعام، وتناولوا منه؛ صار الفقيه عثمان يتناول من صحن اللحوح بمشقة، ولا يناله إلا بكلفة، فأنشد الأمير علي بن يحيى حين رآه يمد يده إليه:
بَعُدَ اللَّحوحُ عن الفقيهِ الأوحدِ ** عثمانَ، بل خيرِ البريةِ عن يدِ
فأجابه الفقيه عثمان مرتجلًا:
تَرِدُ المَراسِمُ إن أَردتَ بنَقْلِهِ ** ويطولُ منكَ الباعُ إنْ قَصُرَتْ يدِي
فقام الأمير علي بن يحيى مسرعًا من مكانه، وحمل صحن اللحوح؛ ووضعه بين يدي الفقيه، ثم لما انقضى الطعام؛ جعل الأمير يحدِّث الفقيه، ويقول له: إني رأيتك تحب اللحوح، وقد وهبتُ لك الجِرْبة الفلانية؛ لتكون بِرَسْمِه؛ فقبلها الفقيه؛ وهي جِربة تساوي ألف دينار ذهبًا، بالقرب من قرية المَلْحمة. (والجِرْبة: أرض زراعية كبيرة تكون في ضفاف الأودية، وقرية المَلْحمة: تقع في وادي السُّحُول شمال مدينة إب).

وفي الموروث الشعبي اليافعي بيتان يغنيهما الناس عند العمل بصوت قريب من صوت الزامل، ولا يُعرَف قائلهما، جعل فيها الشاعر طباخة المرأة للحوح من علامات حبها لزوجها، فقال:
قال بَدّاع مَن حَب المَرَهْ ** حَبّتهْ وا تِسَوّي لهْ لَحُوْحْ
واِنْ كِرهْها وما شِي حَبَّها ** طُوْلةِ الليلْ بِتْجِحُّهْ جَحُوْحْ

ويُحكى عن أحد الأهالي عندنا أنه تناول لحوحة في سنة مجدبة اشتدت فيها المجاعة والقحط في القرن الماضي، فنظر إلى اللحوحة الضئيلة في يده، التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فقال: "يا ذه اللحوحة ليتش (ليتك) تطولين من هنا إلى جبل بن قُماطة". (وبين قرية هذا القائل والجبل المذكور مسافة لا تقل عن خمس كيلومترات).

وفي الأمثال الشائعة في كثير من البلدان اليمانية قولهم: "ما شي حب! قال: لحُّوا له لحوح"، أو "ما بش حب، قال لحُّوا له لحوح"، أورده الأرياني في "المعجم اليمني"، ص799، وقال عنه: "والمَثَل يشبه ما يُنسب إلى ماري أنطوانيت أنها قالت: ما لهؤلاء المتظاهرين يصرخون؟ فقالوا لها: إنهم لا يجدون الخبز، فقالت: إذا لم يجدوا خبزا فليأكلوا الكعك".

وصومًا مقبولًا، وإفطارًا شهيًّا هنيئًا
ودمتم في رعاية الله.

عدن – ثاني رمضان 1444

مقالات الكاتب