سلتة رمضان... طبق يعيد اليمنيين إلى دفء اللمة العائلية
يبدل شهر رمضان مختلف طقوس اليمنيين، بما في ذلك مائدة الطعام التي تتزيّن بوجبات ارتبطت بالشهر الفضيل، لكن تظل الأكلة الشعبية الأشهر هي "السلتة". ويؤكد اليمنيون أنها ليست مجرد وجبة غذائية، بل "تيرمومتر" الحالة الاجتماعية اليومية، فليس الشعور بالجوع وحده ما يقود اليمنيين إلى مطاعم السلتة التي يفضّلونها على غيرها، بل الشعور بأنها وُلدت من فقر الملاعق وامتلاء الروح.
ويدرك اليمنيون أن هذه الوجبة قلب مائدة الطعام، وتعدّ المائدة من دونها بلا روح، لذا يحرص الجميع على وجودها إلى جانب وجبات تقليدية أخرى شهيرة. وتنشغل ربات المنازل بتجهيز السلتة مبكراً، باعتبارها الوجبة الأهم التي تزين المائدة الرمضانية.
وككل رموز الأنثروبولوجيا، يكثر الجدل حول تاريخ السلتة وأصلها، وتتعدد الروايات حولها؛ فهناك روايات متداولة شعبياً تقول إنها عثمانية الأصل، وتعدّ من ضمن الإرث الذي خلّفه العثمانيون في اليمن، ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن كلمة "سلتة" تعني ما تبقى من المرق، أو من بقايا الطعام. بينما يقول رأي آخر إن هويتها يمنية خالصة، وإن اسم "سلتة" جاء من كلمة السَّلْت، أي الخلط؛ إذ كان اليمنيون يخلطون ما بقي من الطعام في القدر مع مرق جديد. وكلتا الروايتين تؤكد ارتباط الاسم بعملية المزج، وهو جوهر السلتة بالفعل.
وتُطبخ السلتة داخل "الحرضة" أو "المدرة" المصنوعة من الفخار أو الحجر الصابوني الذي يُنحَت على شكل وعاء يتحمّل درجات الحرارة الكبيرة، وهو يضفي نكهة مميزة على طعم السلتة، ويحفظها في حرارة عالية خلال تناولها بخبز "المُلوح".
ويتوافد اليمنيون على مطاعم السلتة لمشاهدة إنضاجها على النار، وفي تلك المطاعم تتراصّ ما بين 10 إلى 30 مدرة أو حرضة أمام الطباخ الذي يصنع هذه الوجبة بحرفية ومهارة، وفي كل مطعم سلتة هناك مساحة رئيسية تقع على منصة مرتفعة يقف عليها الطباخ ومساعدوه، وأمامه أوانٍ معدنية تحوي المكوّنات التي يخلطها داخل الحرض.
وبالتزامن، يقوم الخباز بصناعة الملوح من الدقيق أو البر أو الشعير، وبأحجام كبيرة ومميزة، ويُصنَع هذا الخبز التقليدي بطريقة قديمة متوارثة على أيدي خبازين مهرة يمتلكون القدرة على تحمل درجات الحرارة العالية للتنور، وفي المطاعم مساحة مخصصة لصانع "السحاوق"، وهو خليط من الطماطم والجبن والفلفل الحار والثوم والكزبرة، يُهرَس ويُقدَّم مع السلتة.
يقول ناصر الصنعاني، وهو صاحب مطعم سلتة في تعز، لـ"العربي الجديد": "توارثنا مهنة صناعة السلتة داخل العائلة منذ عام 1979، ويبدأ الزبائن بالتوافد إلى المطعم باكراً، وزبائن المطعم من جميع فئات المجتمع؛ موظفون وعمال وطلاب، أغنياء وفقراء. لتحضير السلتة طقوس خاصة، أهمها النار الشديدة، إذ تُغلى مكوّنات السلتة داخل الحرضة على درجة حرارة عالية، ثم تضاف إليها الحلبة المخفوقة يدوياً والممزوجة بالكراث المهروس الذي يضفي عليها اللون الأخضر".
ويحرص معظم اليمنيين على أن تكون السلتة ضمن وجبات الطعام الرئيسية في المناسبات، فهي لذيذة الطعم، وغير مكلفة، كذلك فإنها مرتبطة بطقوس اللمة، وتبقي متناولها شبعاً لساعات طويلة قبل أن يشعر بالجوع مجدداً. يقول اليمني مقبل دبوان لـ"العربي الجديد": "أحرص على تناول السلتة في وجبة الطعام الرئيسية بشكل شبه يومي، وإذا تناولت وجبة غيرها لا تمر ثلاث ساعات حتى أشعر بالجوع. تناول السلتة صار أحد طقوسي اليومية، لأنها تعدّل المزاج، ما يجعلني سعيداً طوال اليوم".
والسلتة التقليدية خليط من المرق واللحم والخضراوات التي تتنوع بين القرع، والكراث، والبطاطس، والبامية، مع صلصة الطماطم والفلفل والثوم، والكثير من البهارات مثل الكركم، والحلبة الجافة، والكمون، والكزبرة اليابسة.
وتتعدد مسميات الطبق اليمني بناءً على "البطل" المضاف إلى المرق المغلي؛ فـ"سلتة اللحم" خيار نخبوي يعتمد على اللحم البلدي، فيما تبرز "الفحسة" ابنة عم وثيقة الصلة، متميزةً بمرقها الدسم ولحمها المهروس الذي يذوب بين ثنايا الحلبة.
وفي المدن الساحلية تفرض "سلتة التونة" حضورها، بينما تظهر "سلتة البيض" خياراً اقتصادياً، وهناك أيضاً "سلتة الخضار" التي تكمل هذا المشهد الغذائي المتنوع، ما يجعل السلتة أهم من مجرد وجبة طعام.
وخرجت السلتة من موروث الفقر لتصبح أحد أطباق الاعتزاز، ومن وجبة يقبل عليها البسطاء إلى رمز للهوية؛ وسرعان ما تحولت إلى طبق مركزي في المائدة اليمنية، سواء في المدن أو القرى، كذلك أصبح لها حضور في الولائم والمناسبات العائلية، وتُعد وجبة رئيسية تزين ولائم الأعراس والمناسبات الاجتماعية. وفي زمن الحرب ومع تداعياتها المعيشية والاجتماعية، باتت السلتة هوية يمنية عابرة للحدود، وثابتاً يجمع اليمنيين في الداخل وفي الشتات، لكونها وجبة "تشبع الروح قبل البطن".

