الإعلام اليمني.. صدى لضجيج الحرب وتناقضاتها

منبر عدن - متابعات

"تتوزع وسائل الإعلام على طرفي الصراع في اليمن وفقاً للولاءات، وتعمل القوى الفاعلة في الساحة اليمنية على استحداث منصات جديدة للانضمام إلى فوضى المشهد الإعلامي الذي يفتقر إلى المهنية في ظل تسرب كثير من الدخلاء، وتحول التبعية إلى معيار أساسي في السماح لتلك الوسائل والمنصات لممارسة عملها في نطاق ما هو مسموح به وما هو متاح".

 

يمثل الإعلام في اليمن مرآة عاكسة لكثير من ملامح الصراع السياسي والحرب اليمنية بكل اصطفافاتها وتناقضاتها. وتنمو وسائل الإعلام اليمنية إما في بيئة صارمة ومتشددة إزاء ما ينشر كما هو الحال في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، أو في بيئة منفلتة من الضوابط والقوانين التي تنظم عمل وسائل الإعلام كما يبدو في المناطق المحررة.

 

وقد ألقت التجاذبات الإعلامية بظلالها في السنوات الأخيرة على المشهد اليمني، حيث توسعت دائرة الممولين لتشمل دولاً إقليمية لديها أجندات خاصة في اليمن سعت لتوظيف الفوضى الإعلامية فيه من خلال استحداث منصات إلكترونية وقنوات تلفزيونية للتعبير عن وجهات نظرها متخفّية خلف أحد أطراف النزاع المحليين.

 

وبينما حافظت كثير من الأحزاب والمكونات السياسية اليمنية على رصانتها الإعلامية المصطنعة التي عبرت عنها من خلال مواقعها ومنصاتها الإعلامية الرسمية، عملت على إنشاء وتمويل عشرات من المنصات الأخرى لتخوض بها حربها الإعلامية بالوكالة وتصفي حساباتها مع خصومها السياسيين، كما هو حال الإخوان المسلمين.

 

وقد باتت تلك المنصات الخفية المعبّر الحقيقي عن مواقف تلك المكونات التي طالما عملت على إخفاء مواقفها الحقيقية، وتصنع الحكمة أو الحياد إزاء الكثير من التحولات التي شهدتها الساحة اليمنية.

 

إرث من الارتهان الإعلامي 

وعن حالة الإعلام اليمني اليوم يرى إياد قاسم رئيس مركز سوث 24 للأخبار والدراسات أن جذور المشكلة التي يعاني منها الإعلام في اليمن قديمة بعض الشيء، ويقول في تصريح لـ”العرب” إنه “منذ عقود ارتضت معظم وسائل الإعلام في اليمن أن تكون انعكاسا للأطراف السياسية الحاكمة أو المعارضة، متجاوزة كل معايير المهنة وأدبيات الصحافة والمسؤولية الأخلاقية التي يتطلبها العمل الصحافي. لذلك لعبت هذه الوسائل خلال جملة الأزمات التي مر بها اليمن لاحقا دورا سلبيا ساهم في تعقيد عملية الصراع وإثارة الخلافات أو التغطية على الحقائق وتزييف الوقائع والمطالب والقضايا بدلا من إظهار الحقائق وتقديم الحلول والضغط على صنّاع القرار”.

ويشير قاسم إلى أن السلطات السياسية الحاكمة والأحزاب والجهات النافذة ساهمت في استمالة وشراء كثير من وسائل الإعلام أو العاملين في هذا القطاع وتسخيرهم لصالح أجندتها الخاصة. بل إنّ فضائيات ووكالات إقليمية ودولية يفترض أن يكون عملها مستقلا ومحايدا، بدت تغطياتها للأحداث انعكاسا لتوجهات مراسليها وموفديها وسياسات الدول التي تمثّلها. وبدلا من أن تكون هذه الوسائل سلطة رابعة تقوم بدورها المستقل والمهني والمحايد، تحوّلت إلى منابر لصالح هذا الطرف السياسي أو ذاك.

 

من جهة أخرى يؤكد قاسم أنّ الحرب والاصطفاف العسكري والمناطقي والسياسي والديني المحلي والإقليمي ألقيا بظلالهما على تغطيات وسائل الإعلام اليمنية بشكل خاص، بل وخلقا إلى حد كبير إعلاما فوضويا مجردا من كل الكفاءة والمسؤولية نتيجة لغياب دور النقابات الصحافية والمنظمات المجتمعية المراقبة، لافتا إلى أن “بعض هذه الوسائل يُظهر ما تخفيه الأطراف السياسية المقربة إليها، ويقول في الإعلام ما ليس مباحا قوله في السياسة، وبعضها يدعو بشكل صريح إلى مزيد من الاقتتال والعنف والتحريض على إثارة الفوضى”.

لكن ذلك لا يعني أنه لا يوجد جزء من الإعلام، وهو محدود، بقي محافظا على هامش الاستقلالية والتوازن وتقديم المشهد بصورة واقعية تُسهم في الضغط على صناع القرار وتقدّم الحلول لذوي الاختصاص لمعالجة القضايا والظواهر من منظور يستند على الواقعية والعقلانية دون أن يمس العلاقات الإنسانية أو ينتقص من قيم السلام والعدالة، وفقاً لقاسم الذي يضيف “يجب على وسائل الإعلام اليمنية في الجنوب والشمال أن تتحرر من المال السياسي أولا، والاصطفاف الحزبي ثانيا، حتى تستطيع تقديم صورة مهنية للواقع تتواءم مع طبيعة المهنة والصحافة وترتقي بالعمل الإعلامي والصحافي بكل جوانبه وأقسامه”.

 

مرآة للصراع 

ومن جهته يشير الصحافي والباحث اليمني ومؤلف كتاب “يمنيزم” سامي الكاف إلى أن الحالة الإعلامية اليمنية ليست فريدة في فوضاها، حيث أنه في أي دولة يوجد تجاذب وصراع سياسي سينعكس ذلك بطبيعة الحال على واقع الإعلام فيها.

 

وأضاف الكاف في تصريح لـ”العرب” أنه “يوجد في اليمن تجاذب وصراع سياسي منذ عقود فائتة أثّرا على واقع الإعلام وأدائه بالضرورة، وبان هذا التأثير في حالة الحراك الجنوبي السلمي الذي انطلق في السابع من يوليو 2007 ومساندته إعلامياً سواءً عبر إنشاء قناة تلفزيونية تبث من الضاحية الجنوبية في لبنان أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في حين كان أداء الإعلام الحكومي عنيفًا ضد الحراك الجنوبي وصل حد تجريمه وإحالة كثيرين ممن ينتمون إليه أو من المناصرين له إلى المحاكمة كما حصل معي أواخر 2009، وهو ما يصوّر حالة التجاذب والصراع السياسي القائم وقت ذاك”.

وحول انعكاس التداعيات السياسية المتسارعة في اليمن على واقع الإعلام، تابع الكاف قائلاً “كل الأحداث التي وقعت بعد ذلك بما فيها إفرازات ما بعد الحادي عشر فبراير 2011 وصولًا إلى ظهور رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي في السابع من أبريل 2022، يمكن القول إن التجاذب والصراع السياسي في اليمن أثّرا على واقع الإعلام وأدائه بما يتوافق مع تغييرات وتداعيات هذا الصراع والقوى التي تتشكل منه وتتغير بتغير أهدافها المتعارضة واللاغية لبعضها البعض حتى وإن أصبحت لاحقًا داخل السلطة نفسها، أي أن الإعلام بات في السنوات الأخيرة مرآة لحالة هذا الصراع السياسي المعقّد، وفي نفس الوقت سلاحًا مهمًا لكل طرف من أطراف هذا الصراع يستغله لتحقيق أهدافه، وقد ذكرتُ في كتاب ‘يمنيزم’ الصادر نهاية العام الفائت أن عدد القنوات الفضائية اليمنية خارج البلاد زاد، وراحت تخوض في ما بينها حربًا إعلامية تتماهى مع الحروب الدائرة داخل البلاد، وتتوافق مع سياسة وأهداف مموّليها”.

 

استقطاب إعلامي 

ويلقي الأمين العام المساعد لاتحاد الإعلاميين اليمنيين محمود الطاهر باللائمة على عدم فاعلية وزارة الإعلام في اليمن، وعدم احتواء كافة الإعلاميين المناهضين للمشروع الإيراني في اليمن، على حد قوله، وهو الأمر الذي “سهل انقسام الإعلام اليمني، وساعد العديد من الجهات في استقطاب صحافيين وإعلاميين لتنفيذ مآربها، وهو ما عمل على تعميق الانقسام الداخلي في الشرعية اليمنية، وتوج ذلك بسيطرة فصيل معين على الشرعية وعمل على إقصاء جميع الصحافيين”.

وأشار الطاهر في تصريح لـ”العرب” إلى أن الإخوان المسلمين عندما سيطروا على كافة القرارات للحكومة الشرعية عملوا على إقصاء كل من لا ينتمون إليهم، نتيجة لذلك كان لا بد للإعلام المستقل والحزبي أن يكشف فساد الإخوان المسلمين، وحقيقتهم في تنفيذ أجندات خارجية، وهو ما انعكس سلبًا على المشهد الداخلي، حسب تعبيره..

وتابع “يتوجب على وزارة الإعلام أن تعمل حصرًا لكل الإعلامين والصحافيين، وكافة وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، للاحتواء وإعادة توحيد الخطاب الإعلامي بما يتواكب مع المرحلة وتوجهات مجلس القيادة الرئاسي ومواجهة المشروع الإيراني وصولا إلى إحلال السلام في اليمن، وأهم من ذلك تنفيذ مخرجات المشاورات اليمنية – اليمنية التي عقدت في الرياض”.

 

أما الصحافي اليمني ياسر اليافعي رئيس تحرير صحيفة “يافع نيوز” الإلكترونية، فيؤكد أن التجاذبات السياسية والتدخل الإقليمي والدولي في الملف اليمني كان لهما دور كبير في ظهور إعلام منقسم مشتت يعكس تماماً الصراع السياسي والعسكري الدائر في اليمن والإقليم بل كان صورة طبق الأصل لما يحدث في البلاد من أزمات وحروب، لافتاً إلى أن هذا الصراع المحلي والإقليمي أفرز أيضاً أصواتا متطرفة من كل الأطراف السياسية، وهو ما ساهم في تعميق الأزمة وتحولها في أوقات كثيرة إلى صراع مناطقي ومذهبي عمق الأزمة وساهم في تفاقمها.

 

يختم اليافعي بالقول “المشكلة الأكبر أن بعض وسائل الاعلام استغلت المستوى الثقافي والتعليمي المتدني في البلاد لإثارة النعرات المناطقية والطائفية وحشد الشباب والمراهقين للقتال في الجبهات واستخدامهم أدوات للموت بدل الدفع بهم للتعليم حتى يكونوا جزءا من المستقبل”.

*العرب اللندنية