بين المطالب المشروعة ومحاولات الاستغلال.. لماذا كانت مبادرة وزير النقل مهمة لعدن؟

منبر عدن - خاص

في أوقات الأزمات، لا تُقاس أهمية المسؤولين فقط بما يتخذونه من قرارات، بل أيضاً بقدرتهم على الإنصات للمجتمع وفتح قنوات الحوار مع مختلف مكوناته. فحين تتعاظم التحديات وتتزايد المخاوف، يصبح التواصل مع النخب والأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني ضرورة وطنية، لا مجرد نشاط بروتوكولي أو لقاء عابر.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة المبادرة التي أطلقها وزير النقل محسن حيدرة من خلال لقائه الموسع بعدد من الأكاديميين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني في العاصمة عدن. فاللقاء لم يأتِ في ظرف طبيعي، بل في مرحلة حساسة تشهد فيها المدينة تحديات خدمية ومعيشية متفاقمة، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء التي أثقلت كاهل المواطنين وفاقمت معاناتهم اليومية.

ولا يختلف اثنان على أن مطالب المواطنين في الحصول على الكهرباء والخدمات الأساسية مطالب عادلة ومشروعة، وأن التعبير عنها حق أصيل لا يمكن مصادرته أو التقليل من أهميته. فالمواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات من حقه أن يرفع صوته وأن يطالب بحلول حقيقية تنهي سنوات طويلة من المعاناة.

لكن التجارب التي مرت بها عدن خلال السنوات الماضية أثبتت أن بعض الأزمات الخدمية قد تتحول إلى بوابات تتسلل منها محاولات العبث بالأمن والاستقرار، وأن هناك من يسعى إلى استثمار غضب الشارع وتوظيف معاناة المواطنين لتحقيق أهداف سياسية أو دفع الأوضاع نحو مسارات لا تخدم المدينة وأهلها.

إن الدفاع عن حق المواطنين في الكهرباء والخدمات لا يمكن أن يبرر منع سيارة إسعاف من أداء واجبها، ولا إغلاق الطرق أمام المرضى والمتجهين إلى المستشفيات. وقد كنت شاهداً على ذلك عندما مُنعت من المرور رغم إبراز أوراق طبية رسمية تثبت أن المريض الذي يرافقني أجرى عملية جراحية ويحتاج إلى مراجعة عاجلة. وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين الاحتجاج المشروع الذي نحترمه جميعاً، وبين الممارسات التي تضر بالمواطنين وتسيء إلى عدالة القضية نفسها.

ومن هنا تبرز أهمية المبادرات التي تسعى إلى تعزيز الحوار ورفع مستوى الوعي المجتمعي، خصوصاً في ظل ما شهدته عدن خلال الأيام الماضية من أعمال تخريبية ومظاهر مقلقة. فالحفاظ على مشروعية المطالب الشعبية لا يكون بتوسيع دائرة الضرر، بل بمنع استغلالها أو توظيفها في اتجاهات تهدد أمن المدينة واستقرارها. ولهذا يكتسب الحوار مع النخب والإعلاميين ومؤسسات المجتمع أهمية خاصة في هذه المرحلة، باعتباره وسيلة لتعزيز التفاهم وتحصين المجتمع من الانقسام، لا مجرد نشاط سياسي عابر.

ومن غير المنصف اختزال هذه المبادرة في إطار اختصاص وزارة النقل فقط، أو التعامل معها باعتبارها خروجاً عن حدود المسؤولية الإدارية. فالمسؤول الحكومي، مهما كان موقعه، يظل جزءاً من منظومة الدولة، ومن الطبيعي أن ينشغل بقضايا المواطنين وهمومهم العامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمدينة تحمل عبء كونها العاصمة المؤقتة للبلاد وتواجه ظروفاً استثنائية منذ سنوات.

كما أن الحديث عن الكهرباء والخدمات والاستقرار لا يعني مصادرة اختصاصات الآخرين، بقدر ما يعكس شعوراً بالمسؤولية تجاه واقع يهم كل أبناء المدينة. فالحكومة ليست جزرًا منفصلة، بل فريق عمل واحد يتقاسم المسؤوليات والتحديات، ويعمل من أجل هدف مشترك يتمثل في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين مستوى الخدمات.

وفي خضم الجدل الدائر حول أداء الحكومة، من المهم التذكير بأن أزمة الكهرباء التي تعيشها عدن اليوم ليست نتاج الأشهر القليلة الماضية، بل هي أزمة تراكمت على مدى أكثر من عقد من الزمن. وخلال هذه السنوات تعاقبت حكومات ومسؤولون وبرامج وخطط، لكن المواطن ظل ينتظر الحلول التي لم تصل بالقدر الذي يلبي احتياجاته.

ولا يعني ذلك إعفاء الحكومة الحالية من مسؤولياتها أو منحها صك نجاح مسبق، فالمحاسبة حق مشروع، والنقد الموضوعي ضرورة لأي عمل مؤسسي ناجح. لكن العدالة تقتضي أيضاً منح الحكومة فرصة حقيقية للعمل قبل إصدار الأحكام النهائية عليها، خصوصاً أنها لا تزال في بدايات عملها وتواجه إرثاً ثقيلاً من الملفات المعقدة والتحديات المتراكمة.

إن ما تحتاجه عدن اليوم ليس المزيد من المزايدات السياسية أو حملات التشكيك المتبادلة، بل تضافر الجهود وتوحيد الصفوف خلف هدف واحد يتمثل في حماية المدينة والحفاظ على استقرارها ودعم كل الجهود الرامية إلى معالجة أزماتها المزمنة. فالنقد البناء يجب أن يكون وسيلة للتصحيح والتطوير، لا أداة لهدم أي مبادرة أو التقليل من أي محاولة للحوار والتقارب.

لقد دفعت عدن خلال السنوات الماضية أثماناً باهظة بسبب الصراعات والتجاذبات، ولم تعد تحتمل مزيداً من الاستقطاب أو الانقسام. وهي اليوم بحاجة إلى أن تتقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وأن تنتصر لغة العقل والشراكة على لغة التخوين والمناكفات.

ومن هنا تبرز أهمية مبادرة وزير النقل، ليس لأنها ستنهي أزمة الكهرباء أو تحل جميع المشكلات القائمة، وإنما لأنها تؤكد أن الحوار ما زال ممكناً، وأن التواصل بين الدولة والمجتمع يظل أحد أهم أدوات مواجهة الأزمات وتعزيز الاستقرار.

فعدن اليوم بحاجة إلى الجميع؛ حكومة ومؤسسات ونخباً وإعلاميين وشباباً ومواطنين. وبقدر ما ننجح في حماية المطالب المشروعة من محاولات الاستغلال، ونمنح الحلول الجادة فرصة للنجاح، بقدر ما نقترب من بناء مستقبل أكثر استقراراً لهذه المدينة التي تستحق أن تكون فوق الخلافات والمزايدات، وفوق كل الحسابات الضيقة.

وفي نهاية المطاف، ستبقى مصلحة المواطن واستقرار عدن هي المعيار الحقيقي الذي يجب أن تُقاس به المواقف والمبادرات والقرارات كافة.

مقالات الكاتب